عادي

«إعدام السيدة جراي».. التشكيل لحظة دراما

لوحة مشحونة بالعاطفة
23:39 مساء
قراءة 4 دقائق
1803

الشارقة: علاء الدين محمود

تلعب الفنون أدواراً شديدة الأهمية في الحياة، فإلى جانب رسالتها الجمالية، هي أيضاً تؤرخ لأحداث التاريخ المهمة في مسيرة الشعوب والأمم، بل وتستدعي تلك الأحداث لمحاكمتها وتحليلها لكي تستفيد منها البشرية.

تميز الفنان الفرنسي بول ديلاروش، «1797 1856»، في مجال الرسومات القصصية؛ أي اللوحات المستوحاة من قصة أو حكاية واقعية، وقام بتعليم هذا النمط لعدد كبير من التلاميذ، الأمر الذي جعل منه مدرسة قائمة بذاتها، ولعل التعليم الذي تلقاه الفنان في مدرسة الفنون الجميلة، أسس اهتمامه بالتاريخ والتعبير عنه فنياً، فقد ارتبط بصورة خاصة بالمدرسة الرومانسية، وفي لحظة ظهوره الأول وجد قبولاً كبيراً من عدد من الرسامين المميزين في ذلك الوقت، وقامت أكاديمية الفنون الجميلة بباريس بضمه إليها في 1832، اعترافاً بموهبته وشعبيته، وبعد عام، أصبح أستاذاً في مدرسة الفنون الجميلة، حيث قام بتنفيذ الكثير من الأعمال الفنية للدولة.

تنتمي لوحة «إعدام السيدة جراي ملكة الأيام التسعة»، التي رسمها ديلاروش عام 1833، إلى عوالمه التي تحتفي بالتاريخ والقصص، فهو كرسام تاريخي كان يهدف إلى تقديم تحليل فلسفي لأحداث تاريخية وربطها ب«فهم القرن التاسع عشر للحقيقة التاريخية والزمن التاريخي». فقد كان يولي مسألة عرض الحقائق أهمية كبرى، وربما ذلك ما جعل الناقد الألماني هاينريش هاين يقول عنه: «لا يمتلك ديلاروش ميلاً كبيراً للماضي في حد ذاته، وإنما يميل إلى تمثيل وتصوير وكتابة التاريخ بالألوان»، وذلك ما فعله تماماً في هذه اللوحة التي تعتبر أهم وأشهر أعماله الفنية حيث كشفت عن براعته الكبيرة في تأويل وتفسير الحدث التاريخي.

واقعة

اللوحة تمثل واقعة شهيرة في التاريخ البريطاني، فهي تصور واحدة من أشهر عمليات الإعدام التي شهدتها انجلترا عام 1554، والفتاة التي تظهر في اللوحة هي الليدي جين جراي، التي تولت عرش بريطانيا بضعة أيام فقط، قبل أن يزج بها في السجن، ويحكم عليها بالإعدام فيما بعد، حيث كانت تلك السيدة ترشحت لمنصب الملكة بناء على وصية ابن عمها، الملك إدوارد السادس، لتصبح، بالتالي، الملكة البروتستانتية التالية لإنجلترا، وبعد موت إدوارد تم تنصيبها ملكة تنفيذاً للوصية، لكن أخت إدوارد الكاثوليكية ماري الأولى، لم تكن راضيه عن قرار شقيقها، فأضمرت في نفسها خطة لإزاحة جراي والجلوس مكانها، ولم تلبث أن أعلنت مطالبتها بالعرش على اعتبار أنها الأحق بذلك بحكم أنها تتمتع بدعم الشعب والكنيسة، فكان أن تنازلت جراي بمحض إرادتها عن العرش لشقيقة الملك الراحل، ورغم تنازلها إلا أن صراعات السياسة التي لا ترحم لم تتركها بحالها، حيث رأت فيها الملكة الجديدة تهديداً لعرشها، وقامت بسجنها في برج لندن وحوكمت بتهمة الخيانة العظمى، وتم إعدامها بقطع رأسها، وكان عمرها في ذلك الوقت سبعة عشر عاماً، إضافة إلى إعدام زوجها بالوسيلة ذاتها، وتم إعدام والد الزوج بعد ذلك بيومين وبالطريقة نفسها.

مشهد

اللوحة ترصد مشهد اللحظات الأخيرة في حياة السيدة جراي، وهي تساق إلى مكان الإعدام في إحدى غرف برج لندن، حيث تظهر في اللوحة وهي ترتدي فستاناً من الساتان الأبيض، بينما تم تعصيب عينيها، وهي تمد يدها إلى الأسفل لتجد المنصة التي ستعدم فيها، ويتم مساعدتها من قبل رجل يُعرف باسم جون بريدجز. كان ملازماً للبرج وقت إعدام جين، في حين نرى في المشهد 4 أشخاص يراقبون ما يجري، فهنالك الجلاد الذي يقف إلى يمين الغرفة وقد أمسك بيده فأس الإعدام، وفي اليسار تظهر سيدتان، الأولى تدير ظهرها للناظر، وتسند رأسها ويديها على الجدار في مشهدية ترمز لليأس والغم والحزن الشديد، بينما الثانية هي مربية ومرضعة الليدي جراي في طفولتها، لذلك تبدو جالسة على الأرض وتمسك مسبحة بيدها كأنها تطلب لها الرحمة، وقد ظهر على محياها الحزن، وبدت عليها علامات التعب الشديد، والسيدتان هما ضمن كثير من النساء اللواتي داومن على زيارة جراي أثناء حبسها قبيل الإعدام، وتظهر في أسفل اللوحة الخشبة التي يضع الشخص المحكوم بالإعدام رأسه عليها قبل الإعدام، وتتناثر حولها قطع القماش التي تمتص دم الضحية من أجل تجفيف أرض الغرفة من الدماء.

مؤثرات

وظف ديلاروش اللوحة المرسوم بألوان الزيت، العديد من التفاصيل الصغيرة في سرد القصة بطريقة تصويرية، وزيادة الجودة الدرامية والعاطفية للرسم، حيث إن الشخصيات في اللوحة تقوم بذات الأدوار التي يلعبها الممثلون على خشبة المسرح، كتعبيرات وإيماءات الحزن واليأس من قبل السيدتين، وكذلك الحنان الأبوي الصادر من ملازم البرج، واستياء الجلاد في مواجهة المهمة التي من المفترض أن يقوم بها، وهي تنفيذ الإعدام، وتشمل التفاصيل السردية عدة مؤثرات أخرى، كما برع الفنان في توزيع الألوان والإضاءة الداكنة في بعض المواضع، والساطعة في مناطق أخرى، وبرع أيضاً إظهار العوامل النفسية، حيث إن الإضاءة الداكنة تعمق في نفس الناظر الإحساس باللحظة الصعبة التي تتمثل في انتظار شخص بريء لحكم الإعدام.

مصادر تاريخية

قام ديلاروش برسم هذه اللوحة بعد 300 عام من واقعة إعدام السيدة جراي، معتمداً على المصادر التاريخية من أجل أن يقوم بتصوير العمل بدقة شديدة، وتصادف أن اللوحة قد رسمت في أعقاب ثورة يوليو/ تموز 1830، التي أطاحت بشارل العاشر ملك فرنسا، والذي يعتبر آخر ملوك بوربون الفرنسيين، وكان شقيق شارل العاشر هو لويس السادس عشر ملك فرنسا الذي اغتصب عرشه، وأعدم خلال الثورة الفرنسية، كما أن اللوحة تفوح برائحة إعدام ماري أنطوانيت، ما أعطى اللوحة طابعاً عاطفياً، فاكتسبت شعبية كبيرة عندما عرضت لأول مرة في صالون باريس في عام 1834.

فاجعة

اعتبر حكم الإعدام على السيدة جراي بمثابة فاجعة كبيرة، وعلى الرغم من مرور كل تلك السنوات لا تزال تلك الشخصية حية في ضمير الشعب الإنجليزي، نسبة لمصيرها البائس رغم براءتها، فالكثيرون يعتقدون أن قتلها كان ظلماً كبيراً، خاصة أنها قد تنازلت من تلقاء نفسها عن العرش، وربما ذلك هو السبب الذي جعل اللوحة تجد شعبية كبيرة، وتحتل مكانة مميزة جعلتها أقرب إلى الأيقونة، حيث ما زال كثير من الناس يزرون تلك اللوحة الموجودة في المعرض الوطني في لندن.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"