البحث عن فرصة للإنقاذ

00:42 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. محمد السعيد إدريس

في أول خطاب له بعد اقتحام أنصاره مبنى البرلمان العراقي والاعتصام فيه، ومنع انعقاد مجلس النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية ورئيس جديد للحكومة، قفز مقتدى الصدر على ما اعتبره «ثورة شعبية لإسقاط النظام» يقودها أنصاره، وتراجع خطوات إلى الوراء ليقلص مطالبه في «حل البرلمان العراقي وإجراء انتخابات مبكرة»، لكنه في الوقت نفسه أجهض دعوة رئيس الحكومة، مصطفى الكاظمي، للدخول في «حوار وطني» من أجل «عبور الأزمة الراهنة».

 وفي خطابه يوم الأربعاء (3/8/2022) طالب الصدر ب«عملية ديمقراطية ثورية سلمية أولاً، ثم عملية ديمقراطية انتخابية مبكرة بعد حل البرلمان الحالي». وبعد أن أكد أنه «لا فائدة ترتجى من دعوة الحوار» المطروحة، قال «لا تذعنوا لإشاعاتهم بأنني لا أريد الحوار، لكن الحوار معهم جرّبناه وخبرناه، وما أفاد علينا وعلى الوطن إلا الخراب والفساد والتبعية رغم وعودهم وتوقيعاتهم».

 دعوة الصدر لحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة رفضها «الإطار التنسيقي»، وعلى الأخص نوري المالكي، زعيم كتلة «دولة القانون» الذي بادر بالقول عبر «تغريدة» إن «الحوارات الجادة التي نأمل منها حسم الخلافات وإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح تبدأ بالعودة للدستور واحترام المؤسسات الدستورية»، وعاد ليؤكد أنه «لا حل للبرلمان العراقي، ولا تغيير للنظام السياسي في البلاد، ولا انتخابات مبكرة إلا بعودة البرلمان إلى الانعقاد». وقال المالكي في خطاب متلفز إن «البرلمان العراقي هو من يناقش هذه المطالب وما يقرره نمضي به».

هذا الموقف من المالكي الرافض لدعوة حل البرلمان وإجراء الانتخابات البرلمانية المبكرة، كما يطالب مقتدى الصدر، يفاقم من تعثر فرص حل الأزمة العراقية المستحكمة، ويضعها مجدداً أمام أفق مسدود، لكن، ومع ذلك فإن هناك من القوى السياسية العراقية من يرفض دعوة الصدر لحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة، من منظور أنها تراجع عن الدعوة المحورية للصدر لتغيير النظام وإسقاط «الطبقة السياسية الفاسدة»، على أساس أن أي برلمان جديد، ولو كان ثورياً حقاً كما يأمل الصدر، لن يكون قادراً على إحداث أي تغيير دستوري ما لم تتفق جميع القوى السياسية داخل هذا البرلمان على ذلك، وهذا أمر متعذر كما أثبتت تجربة خمس دورات انتخابية سابقة. كذلك لن يكون في مقدور الصدريين وحدهم، في حال انتخاب برلمان جديد حتى لو حصلوا على ثلث مقاعد البرلمان، وهذا أمر متعذر، ما يعني أن الصدريين سيجدون أنفسهم مجدداً أمام الموقف نفسه الذي واجههم في البرلمان الحالي، ومنعهم من انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ومن ثم اختيار الرئيس الجديد للحكومة، ما دفعهم إلى استقالة نوابهم، ولم يدع أمامهم من بديل للضغط من أجل فرض التغيير غير النزول للشارع واحتلال البرلمان.

 هناك مشكلة معقدة لكل الأطراف، ومن بينها التيار الصدري الذي من الصعب عليه، في ظروف الطقس الصعبة الحالية، أن يحتفظ بمناصريه في ساحة الاعتصامات حول البرلمان لأجل غير مسمى، كما أن «الإطار التنسيقي»، رغم عدم تشككه في قدرة الصدريين على استمرار الاعتصام ومنع البرلمان من الانعقاد، فإنه يدرك أن عليه أن يبحث عن بدائل للإنقاذ. هذا المأزق أخذ يضغط أيضاً على القوى المدنية وعلى النواب المستقلين من أجل تحريك الأزمة، وإيجاد بدائل على النحو الذي ورد في بيان «القوى المدنية الديمقراطية» و«قوى انتفاضة تشرين الناشئة».

ففي محاولة لتحريك الأزمة دعت هذه القوى إلى «حل مجلس النواب الحالي، وعلى رئيس الجمهورية والنواب المستقلين والقوى الوطنية الضغط من أجل تحقيق ذلك»، كما دعت إلى «تشكيل حكومة تحظى بقبول سياسي وشعبي، وتكون مهمتها الشروع في اتخاذ خطوات عملية على طريق التغيير»، وطالبت أيضاً ب«إجراءات ملموسة، في مقدمتها مراجعة تفسيرات المحكمة الاتحادية بشأن (الكتلة الأكبر التي ترشح رئيس الحكومة الجديد)، وكذلك نصاب جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، (خاصة نصاب الثلثين الذي عرقل على مدى الأشهر الماضية انتخاب رئيس جديد)». كما طالب نواب مستقلون في البرلمان بإجراء حوار وطني شامل يختلف عن الحوارات السابقة من أجل الوصول إلى حل شامل للأزمة.

 حديث الحوار فرض نفسه مجدداً على قوى «الإطار التنسيقي» متجاوزاً «لاءات المالكي»، ودخلت ممثلة الأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، على ذات الخط بلقائها مع هادى العامري رئيس تحالف الفتح، وكشف فالح الفياض رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أن «قوى الإطار التنسيقي خولت هادي العامري إجراء مفاوضات مع الصدر».

إلى أي حد يمكن أن يكون هذا التفويض حقيقياً، وأي مقترحات في جعبة العامري للحوار مع الصدر للوصول إلى «تفاهمات مقبولة»؟ هذا هو التحدي الحقيقي للإنقاذ.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"