التاريخ لا يكرر نفسه

00:43 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

هل يكرر التاريخ نفسه؟ سؤال شائع في الثقافة العربية يفرض نفسه بصيغ مختلفة هنا أو هناك، والغريب أن الكثير من الكتّاب والمتابعين يذهبون إلى التأكيد على أن الأحداث تتكرر، بل تتماثل لدى البعض وكأن الزمن لا يمر، والوقائع تستنسخ نفسها. 

تعود فكرة أن التاريخ يكرر نفسه إلى أسباب عدة، منها أننا نميل في العالم العربي نحو الحنين دوماً إلى الماضي، وتنتشر مقولة «الزمن الجميل» لوصف ذلك الماضي، وإذا حلّلنا هذه المقولة إلى نتائج يمكن قياسها على أرض الواقع سنكتشف أنها فارغة من كل معنى، فلكل زمن جمالياته والتاريخ بصفة عامة يسير إلى الأمام، وما حققه البشر كافة في الحاضر وما ينتظر أن يحققوه في المستقبل أفضل بكثير مما تم إنجازه في الماضي، وعندما نحلّل جيداً مقولة «الزمن الجميل» سنكتشف أن لكلٍّ منّا زمنه الخاص الذي يكتسب أهميته وفرادته من طفولته ذات المذاق الخاص والتي تجعله يردد هذه المقولة، أما من حيث التقدم العلمي والاستفادة من التكنولوجيا؛ فالحاضر أفضل والمستقبل كذلك. وإذا ابتعد كل منا عن زمنه الطفولي، سنجد مثلاً الكثير من أوجه التقدم مقارنة بالماضي مثل زيادة معدلات التعليم وجودة نوعيته والرعاية الصحية، وقدرتنا على التواصل مع البشر من مختلف أنحاء العالم في وقت قياسي. 

أيضاً في الثقافة العربية هناك احتفاء بالماضي وولع بكل ما ينتمي إليه، ورؤية للتاريخ ترى الأحداث تسير من الأحسن إلى الأسوأ أو على الأقل تبصر التشابهات والتماثلات في تلك الأحداث، ولا تستطيع أن ترى الزمن يتقدم إلى الأمام، هو سيادة ثقافة الثبات كما ذهب بعض المفكرين. وإذا نظرنا إلى أي حدث وقع سنجد إطاره العام يتشابه مع أحد الأحداث في الماضي ولكن لو دققنا عبر المقارنة بين مقدمات الحدثين والقوى الفاعلة التي أثّرت في كل منهما والأفكار الحاكمة لكل حدث، سنكتشف أنه لا تشابه أو تماثل وأن التاريخ لا يكرر نفسه.

ومن أهم الأسباب التي تجعلنا نرى التاريخ يكرر نفسه، تلك العقلية القياسية التي تنتشر في ثقافتنا، فنحن عندما نواجه حادثة أو واقعة أو ظاهرة، لا نحللها من منظور مختلف بأدوات وتقنيات تنتمي إلى اللحظة الراهنة، وإنما نسرع إلى ذاكرتنا.. نفتش ونبحث عن مثيل أو شبيه نقيس ما يواجهنا عليه، وهو ما يعرف بالاتّباع في الثقافة وعدم القدرة على الإبداع والعجز عن ارتياد مناطق مجهولة، والفشل في التخلص من التنميط و«الكليشيهات»، وهذه العقلية القياسية لا تقتصر على التاريخ وحسب، ولكنها تمتد أيضاً إلى مختلف أوجه الحياة.

التاريخ لا يكرر نفسه، إلا في ثقافات تعيش ماضيها حتى النخاع، ولا تستطيع أن تبتكر ما يمكنها من الهيمنة على واقعها بقوة أو يسمح لها بدخول المستقبل من أوسع أبوابه، فتظل حبيسة تاريخها الخاص تراه يستنسخ نفسه في كل ما يعترض طريقها من أحداث.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"