السيادة تجاه الآخر

00:41 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. كمال بالهادي

تتحقق السيادة الداخلية، بوحدة اجتماعية صمّاء، وبتمكين الفرد من مرتبة المواطنة الكاملة، فيكون في مرتبة السيادة الذاتية تجاه بقية مكونات المجتمع. وتكتمل السيادة الداخلية عندما تستوفي الدولة آليات ضبط المجتمع، وتنظيمه عبر الآليات التي ابتكرتها الدولة العصرية، وأبرزها النظام الديمقراطي.

والسيادة الداخلية، مطلوبة لأنها تربّي الفرد على الانتماء للمجموعة، وتقوّي نزعة الوحدة الاجتماعية ضد كل المهددات، الداخلية أو الخارجية. ومن هنا فإن استقلال أي بلد استقلالاً تاماً لا يتحقق إلا إذا كان مواطنوه يتمتعون بالسيادة غير المنقوصة، فيذودون عن وطنهم، ويفدونه بأرواحهم، وأموالهم. ولنا في العصر الحديث أمثلة مهمة تمكنت فيها الدولة من بناء مجتمع مكتمل السيادة الداخلية، فاكتسب سيادة واستقلالية تجاه الآخر. ونقصد هنا التجربة الكورية الجنوبية التي تمكنت في منتصف القرن العشرين من إعادة ترميم المجتمع المنهك بالحروب والفقر، ومكّنته من آليات بناء السيادة الداخلية، فهب في حركات تضامنية قوية، أسست فيما بعد لنهضة اقتصادية وصناعية وعلمية جعلت كوريا الجنوبية في سنوات قليلة من أهم القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم. ولنقِس على هذا المثال نهضة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية، ودور الفرد/ السيد في تلك النهضة. ولا تخلو بعض التجارب الأخرى من مفهوم «السيادة الداخلية»، مثل ماليزيا، وإندونيسيا، وسنغافورة. ولعل تجربة الدولة العربية المعاصرة، أي الدولة الناشئة بعد حركات الاستقلال الوطني، لم يكن يعوزها هذا الفهم لأحد أهم شروط بناء الدولة العصرية، خاصة أن النخبة العربية التي ساهمت في التحرر لم تكن تقبل في البدايات أن يكون المواطنون المتحررون حديثاً في مرتبة العبيد، غير أن شيئاً ما حدث، وتم التفريط في مفهوم السيادة الداخلية، فعصفت بتلك الدول أزمات جعلتها تتأخر في بناء مجتمعات عصرية يسودها القانون والمواطنة، فضيعت التنمية والنمو، وفشلت تجارب التحديث وضاعت السيادة الداخلية، كما ضاعت السيادة تجاه الخارج.

 إن الباحث في علاقة الدولة العربية المعاصرة بالآخر (غربي، أو آسيوي، أو إفريقي، أو أمريكي)، سيجد لا محالة أن الكثير من القضايا العربية وقع التفريط فيها مبكراً، فصار موقف «الآخر» فيها هو الحكم، وهو الفيصل. وما يمكن قوله هنا، إن خطط التنمية التي تم اعتمادها في عقود ما بعد الاستقلال، ورغم النوايا الطيبة، إلا أنها لم تكن مبنية على قواعد عقلانية، وعلى عقلية علمية صرفة، ما جعل الاقتصادات العربية تفشل طوال نصف قرن، أو أكثر، في تحقيق الاستقلالية الاقتصادية، بل كانت التبعية المالية والتكنولوجية والاقتصادية، إنتاجاً واستهلاكاً تصديراً وتوريداً، هي السمة المميزة لتلك الاقتصادات. وربطاً بما سبق، ارتهن معظم القرار السياسي العربي بما وراء البحار، ولئن كانت هناك محاولات في بعض الفترات لتشكيل موقف عربي مستقل، إلا أن تلك المواقف كانت ضريبتها باهظة الثمن على شعوب لم تكن تملك في واقع الأمر أدوات السيادة الكاملة، داخلياً وخارجياً.

 ونحن نعيش الآن فترة تاريخية فيها تحولات جذرية وعميقة، ولكنها لم تسهم إلا في تعزيز التبعية للآخر، وبالتالي في فقدان مفهوم السيادة تجاه الآخر. نحن الآن في عصر تلعب فيه السفارات أدواراً شديدة الخطورة، سواء في ما يتعلق بالشؤون الداخلية لبعض الدول العربية، أو حتى في رسم ملامح السياسة الخارجية لتلك الدول. إنها تدخلات تثبت أن ما سمّي بثورات الربيع العربي، فشلت في بناء السيادة الشاملة، بل إننا نكتشف من يوم إلى آخر، أن تلك «الثورات» التي اندلعت في سنة 2011، لم تكن سوى آلية لتدمير مكتسبات الدولة الوطنية على قلّتها، ولإفقاد الشعوب مبدأ السيادة. فنرى دولاً تغرق في الديون الخارجية الثقيلة، ونرى السفارات تتحكم في قبول هذه الشخصية السياسية، وفي رفض أخرى، ونرى سفارات تمنع إجراء الانتخابات وتسعى لتزوير أخرى، وفي كل هذه الأمثلة، يقين تام بأن السيادة تجاه الآخر قد فقدت، وأن الرهان على استعادتها يتطلب تغيراً جذرياً في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي علاقة الدولة بالفرد، لأن دولة تعتمد في غذائها وفي سياساته،ا الداخلية والخارجية، على ما يأتي من الخارج في شكل معونات أو تدخلات سافرة، هي دولة لا يمكنها الاستمرار طويلاً، لأنها في حالة موت سريري.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"