«كتـــاب» النظام العالمي الجديد

00:44 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

التحكم بمصير الدول مسألة معقدة للغاية، بسبب التشابكات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، ورغم ذلك لا توجد حضارة على وجه الأرض محصنة من الانهيار، مهما بلغت عظمتها. وقديماً وصلت مساحة الإمبراطورية الرومانية في عام 390 ميلادية إلى 4.4 مليون كيلومتر مربع، ثم تقلصت مساحتها بعد خمس سنوات إلى مليوني كيلومتر مربع، وفي عام 476 م، لم يعد لها وجود.

وحديثاً، كان الاتحاد السوفييتي ملء السمع والبصر، ولكن فجأة صدر في 26 ديسمبر 1991 الإعلان رقم 142 الذي يتضمن نهايته تماماً والاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة.. لتنفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام العالمي لثلاثة عقود متتالية.

ولكن أمريكا بدأت تستشعر الخطر المحدق بهيمنتها وبأن مقعدها على عرش العالم يهتز، وأن التنين الصيني يسعى ليس فقط لمزاحمتها بل لاحتلال مقعدها، ناهيك عن الدب الروسي الذي يسعى لاسترداد إمبراطوريته.

لذا قررت الولايات المتحدة أن تتحرك استراتيجياً، وربما عسكرياً بشكل مباشر أو غير مباشر، للحفاظ على مكانتها العالمية، وتستفيد من كل ما يحيط بها من صراعات، وهو ما تمثل في الحرب الأوكرانية بين موسكو وكييف، ثم زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي لتايوان.. وهو ما أكده الرئيس الأمريكي جو بايدن في خطاب يوم 21 مارس الماضي عن بروز «نظام دولي جديد» ستتحكم من خلاله الولايات المتحدة في الواقع الاستراتيجي العالمي. 

روسيا كانت مدركة للتحركات الأمريكية، وأعلنت في 30 يونيو الماضي عبر كلمة ألقاها الرئيس فلاديمير بوتين «إن الغرب يواصل تجاهل حقيقة ظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب، ويسعى في ممارساته لتحقيق هدف واحد هو الحفاظ على هيمنته بأي وسيلة»، ولذلك جاء رد موسكو قوياً، حيث أعلنت عن عقيدة عسكرية بحرية جديدة تعتبر نهج الولايات المتحدة نحو الهيمنة في المحيطات العالمية بمثابة العدو الأول للأمن القومي لروسيا الاتحادية. 

الصين من جانبها أصدرت منذ أيام كتاباً أبيض  بخلاف الكتاب الأبيض الذي صدر في 2019  يحمل عنوان «الصين والعالم في العصر الجديد»، أكدت بكين في الكتابين «أنه من المستحيل حالياً لدولة واحدة أو تكتل من دول ممارسة الهيمنة على الشؤون العالمية».

«كتاب الصين» والعقيدة العسكرية الروسية الجديدة يؤكدان أن النظام العالمي الجديد الذي يتشكل يؤكد انتهاء عصر القطب الواحد. وأنه لا مجال للهيمنة والسطو على أفكار وحقوق الآخرين، وأن على كل دولة أن تختار طريقها وطريقتها في التعايش مستقبلاً.

الإمارات تقدم لأشقائها والمنطقة والعالم نموذجاً للتعايش في هذا النظام العالمي الجديد، شرح معالمه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، عنما قال في أول خطاب له عقب توليه مسؤولية قيادة الدولة: «ستظل سياسة دولة الإمارات.. داعمة للسلام والاستقرار في منطقتنا والعالم.. وعوناً للشقيق والصديق.. وداعية إلى الحكمة والتعاون من أجل خير البشرية وتقدمها».

 على شعوبنا العربية أن تحدد موقفها وتعرف أين موقعها، وكيف ومع من ستعيش في عالم متعدد الأقطاب؟

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"