عادي

«لعبة بيكيه» لجان ميسونييه.. التفاصيل خبز الفنان

عين بارعة في التقاط المشاهد
17:19 مساء
قراءة 4 دقائق
الشارقة: عثمان حسن
يعد جان لويس إرنست ميسونييه ( 1815 – 1891) أحد أشهر الرسامين الفرنسيين، ممن وصلوا إلى ذروة أعمالهم الفنية في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، قاده الشغف والحماس للفن إلى باريس في سن السابعة عشرة. هناك أصبح تلميذًا للرسام ليون كوجنيت وقد كان لديه إعجاب كبير بأعمال الأساتذة الهولنديين، هذه الأعمال التي درسها عن كثب خلال زياراته لمتحف اللوفر.
في البداية، قام إرنست بنسخ أعمالهم من أجل تعلم تقنية الرسم الخاصة بهم وإتقانها. وفي تلك الفترة، قبل العديد من الطلبات لتغطية نفقاته المعيشية والتعليمية، وقد زينت رسوماته طبعات مختلفة من الكتب الدينية.
في عام 1836، عرض لأول مرة في صالون باريس مشاهد من القرنين الـ 17 و الـ 18، وكان خلال هذه الفترة قد طور بالفعل أسلوبه المميز في الرسم، وكان الجمهور متحمسا للوحاته، كما أشاد النقاد الفنيون بتصويراته البارعة والمتقنة.
تنقسم لوحات إرنست إلى مستويين، الأول: هو تأثره بحروب ومعارك نابليون الثالث، وهذه حققت له أكبر قدر من النجاح، ومن خلالها تسنى له أن يجمع ثروة كبيرة من خلال رسم شخصيات من عهد لويس الرابع عشر ولويس الخامس عشر، فرسم لوحات واقعية أنيقة حظيت بشعبية كبيرة لدى الجمهور، بما فيها من زخارف تاريخية وعسكرية، ومع ذلك فهو لم يسلم من النقد على أعماله الفنية، وكان الانطباعي غوستاف كوربيه أحد أكبر منتقدي أعماله.
* المجتمع الباريسي
أما المستوى الثاني، فجاء من اهتمام إرنست بحياة الناس في منازلهم، وفي أماكن وجودهم، في الساحات والمقاهي والأماكن العامة، وغيرها، وهي اللوحات التي أبدع من خلالها رسومات حققت بدورها نجاحاً لا يستهان به، ومن هذه اللوحات: «لعبة الشطرنج» (1841)، «الشاب الذي يعزف «التشيلو» (1842)،«الرسام في الاستوديو الخاص به» (1843)،«غرفة الحارس»، «الشاب ينظر إلى الرسومات»، «لعبة البيكيه» (1845)، وغيرها، وهي أعمال اعتبرها نقاد الفن تظهر اللمسة والثقة في مجال استخدام التقنية، وأكدت نجاح إرنست في تقديم حرفية عالية تعزز من اكتمال عناصر اللوحة الكلاسيكية الواقعية.
تعتبر«لعبة البيكيه»، أسطع مثال على هذه التجربة الفنية، حيث يظهر في المشهد شابان بريئان، على اليمين، يستعدان للخطوة التالية في مباراة، بدا الشابان حائرين، ويلفهما الارتباك في تقرير مصير هذه الخطوة، وغير مدركين لمكائد وحيل خصميهما على الجانب الآخر، ما يزيد من توتر الشابين، هو ذلك الرجل الذي يقف خلفهما ويضع يده على سيفه، ويبدو أنه من رجال حفظ الأمن، أما بقية الشخصيات فكانوا يراقبون الأوراق باهتمام، وفي اللوحة يبرز اهتمام إرنست بالتفاصيل الدقيقة للغاية، فالمشهد العام للوحة، يجعل المتفرج يدرك أن مكان جلوس الشخصيات هو المقهى، ويدل على ذلك تلك الأشياء والتفاصيل الصغيرة، فثمة منضدة كبيرة للعب، وثمة كراس خشبية صغيرة، كما حرص إرنست على تصوير تفاصيل ملابس اللاعبين، وتقديم مشهدية من واقع الحياة الفرنسية في تلك الفترة.
شبّه بعض النقاد إرنست من خلال هذه اللوحة، بالرسام فيرمر، فقد استطاع أن يتقن استخدام القيم اللونية في صناعة بيئة الأعمال التي ينجزها.
* خلفية تاريخية
«البيكيه»، هي واحدة من أقدم ألعاب الورق، تم ذكرها في عام 1532، تحت اسم لعبة «سنت»، من قبل رابيلياس غارغانتوا. كانت تلعب سابقاً بـ 36 ورقة، وفي نهاية القرن السابع عشر، أصبحت لعبة شعبية شائعة على نطاق واسع، في فرنسا وتلعب بـ 32 ورقة صغيرة، انطلقت من فرنسا وانتشرت في إنجلترا وألمانيا، وفي عام 1892، في مؤتمر لعب الورق الذي عقد في فيينا، تم الإعلان عن أنها أكثر ألعاب الورق شيوعاً، ومع ذلك، فقد تضاءلت شعبيتها في بداية القرن العشرين، ولم يتم الاهتمام إلا بشكل هامشي.
* معرض
في 1870، أضاف معرض جورج بيتي أعمال إرنست إلى مقتنياته، من خلال هذا المعرض، وصلت لوحات فناننا إلى العديد من عشاق الرسم الأثرياء في أمريكا، كما وصل إلى جمهور عريض بنقوشه وطباعته الحجرية ورسوماته، حيث دشن اسمه كأحد الفنانين البارزين في الكلاسيكية. في عام 1867 أتيحت له الفرصة الأولى للمشاركة بأفكاره الفنية في المعرض العالمي في باريس. وشارك بـ 5 لوحات لهذه المناسبة. كما شارك في المعرض العالمي ذاته في عام 1878. قبل وفاته بفترة وجيزة، حصل على وسام جوقة الشرف، وهو أحد أعلى التكريمات الفخرية في فرنسا.
* في النقد
فرضت أعمال إرنست على المشترين أسعاراً عالية، وقد استطاع نظير بيع أعماله أن يشتري قصراً رائعاً في بويزي في 1846، يسمى أحياناً بـ القصر الكبير، وهو يضم اثنين من الاستوديوهات الكبيرة، وورشة عمل شتوية، وتقع في الطابق العلوي من القصر، وفي الطابق الأرضي، ملحق ذو سقف زجاجي، وورشة عمل صيفية. وقد قال إرنست عن هذا القصر: «إن منزله ومزاجه ينتميان إلى عصر آخر» وقد انتقد البعض، بينهم الناقد بول مانتس على سبيل المثال أعماله التي من وجهة نظره تبدو محدودة الخيال، وخلاف ذلك، فقد شبهه البعض بالكاتب الكسندر دوما.. حيث برع الفنان في تصوير مشاهد الفروسية ومغامرات الرجال على خلفية «فرنسا ما قبل الثورة» و«ما قبل الصناعة» حيث تخصص في رسم مشاهد لا حصر لها من حياة تلك الفترة.
* حملات نابليون
كات الفترة الأشد حماسة في تاريخ إرنست الفني هي الفترة التي رصد فيها معارك نابليون الثالث، بما في ذلك حروبه وانتصاراته، ومنها على سبيل المثال لوحة «عودة نابليون ورفاقه بعد معركة ليون» في 1864 وهو محفوظة في (متحف أورسيه).
تلك الفترة رسخته واحداً من فناني «الواقعية الكلاسيكية»، ومع ذلك فإن اللوحات التي يطلق يطلق عليها«الحربية» مجازاً، اتسمت بتركيباتها المعقدة، من حيث المجاميع الهائلة، وما تتضمنه من خلفية تاريخية وحربية على وجه الخصوص، فهي تقع في مستوى أقل شعبية من لوحاته الصغيرة، التي اهتمت بالبيئة الفرنسية.
عرف إرنست ميسونييه باسم «ميتسو الفرنسي» في إشارة إلى الرسام الهولندي في القرن السابع عشر غابرييل ميتسو، الذي تخصص في مشاهد مصغرة للحياة البرجوازية، وكان أن حقق ميسونييه شهرة واسعة في بيع اللوحات الصغيرة، مثل المناظر الطبيعية والصور الشخصية، على خلاف اللوحات التاريخية التي عرف بها، وذلك لسهولة تعليق هذه اللوحات وتركيبها على جدران الشقق الباريسية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"