مستقبل العظمة الدولية

00:13 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. نسيم الخوري

هل تستأهل زيارة نانسي بيلوسي الخاطفة إلى تايوان، كل هذا الجدل؟

بصرف النظر عن أبعاد الزيارة وخفاياها أمريكياً، نجيب ب«نعم ولا»، بحثاً عن مستقبل العظمة الدولية «المترجرجة». إن بيلوسي أرفع مسؤول أمريكي منتخب يزور تايوان منذ 25 عاماً، لا تتعارض زيارتها مع السياسات الأمريكية التي تعترف ب«صين واحدة»، وهي لم تعترف رسمياً بتايوان دولة مستقلة، لكنها «زيارة تكرس التزام أمريكا الثابت بدعم الديمقراطية النابضة في تايوان»، كما قالت. إنها الديمقراطية حاملة مفاتيح التغيير في الأبواب الموصدة والعلاقات؛ بل الصراعات الدولية.

بعيداً عن الزيارة، فإن العالم يخرج عملياً من نوافذ العظمة الدولية النموذجية أو الأحادية التي سادت أثناء الحرب الباردة. راحت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، تفكر في تقويض الاتحاد السوفييتي والخروج من النظام الدولي المرتكز على قوتين عظميين، سيطرت كل منهما على جزء من العالم وتنافستا بالترويج الطويل لأيديولوجيتهما السياسية في أنحاء العالم. صحيح أن السياسة العالمية المعاصرة تتملص من هذين النموذجين، لكننا نشهد مزيجاً هجيناً مؤلفاً من قوة عظمى وحيدة، بينما العديد من القوى الأساسية كان يمكن تسميته نظاماً أحادياً متعدد الأقطاب، وهذا يعني أمرين:

1  تستطيع القوة العظمى الوحيدة وضع «الفيتو» على القوى العظمى الأخرى في ما يتعلق بالمسائل الدولية الأساسية.

2  تتعثر القوة العظمى الوحيدة في إيجاد حلول للمسائل الدولية المطروحة، إلا بالتعاون مع الدول الكبرى الأخرى. وعندما لا يتحقق ذلك، يعاني الحكم أزمات كبرى، عاركت صعوباتها إدارة الرئيس جورج بوش مثلاً.

يمكننا في هذا العالم الأحادي  المتعدد الأقطاب، وضع مستويات أربعة لهندسة النفوذ الدولي، احتلت الولايات المتحدة المستوى الأول منها بوصفها القوة العظمى الوحيدة عبر التفوق في ميادين النفوذ. في المستوى الثاني قوى إقليمية كبرى فاعلة ومسيطرة في العالم، لكن ليس لمصالحها وإمكاناتها امتداد عالمي بقدر أمريكا وإمكاناتها. تشمل هذه القوى، الاتحاد الأوروبي، وروسيا والصين والهند، وإيران والبرازيل وغيرها. 

أما في المستوى الثالث فهناك قوى إقليمية ثانوية تأثيرها في منطقتها أقل من تأثير القوى الإقليمية الأساسية. أما المستوى الرابع فيضم البلدان المتبقية وبعضها  على غرار تركيا  مهم لأسباب استراتيجية، لكنه لم يكن جزءاً لا يتجزأ من هيكلية النفوذ العالمية.

كان من المحتم أن تولد الهيكلية الثنائية القطب في الحرب الباردة، نزاعاً بين قوتين عظميين. أما الهيكلية الأحادية  المتعددة الأقطاب الجديدة، فكانت تخلق نماذج نزاع مختلفة جداً. وكانت لدى أمريكا (بصفتها القوة العظمى الوحيدة)، مصالح عالمية تعزّزها في كل منطقة من العالم، لكن هذا لم يجعلها في نزاع مع القوى الإقليمية الكبرى التي تنظر إليها دخيلة؛ بل تعتبر أنها هي من يجب أن يؤدي الدور الأساسي لتحديد ما يجري في مناطقها. وهكذا قوي التنافس الطبيعي بين الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الكبرى، لكن في كل منطقة كانت القوى الثانوية تأبى الوقوع تحت سيطرة القوة الإقليمية الكبرى، وتحاول الحدّ من قدرة هذه القوة على رسم الأحداث في تلك المنطقة.

تركت هذه العلاقات التنافسية أساساً مريباً للتعاون بين الولايات المتحدة، وقوى إقليمية ثانوية؛ لأن هدفها المحوري خلق التوازن في مواجهة الصين، بتعزيز تحالفها مع اليابان وخصوصاً الجيش الياباني، كما يحصل اليوم. هكذا انضمت اليابان إلى الولايات المتحدة في حماية أمن تايوان، وحافظت أمريكا وبريطانيا على علاقتهما المميزة التي منحتهما فاعلية ضد النفوذ الصاعد لأوروبا الموحدة، بقيادة ألمانيا وفرنسا. وأصبحت بولندا الحليف الأوروبي الأقرب إلى الولايات المتحدة بعد بريطانيا، وانتهزت دول أوروبا الوسطى، والشرقية، الفرص السياسية للاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة ضد ألمانيا وفرنسا وروسيا. وهكذا طورت الولايات المتحدة علاقاتها الوثيقة جداً مع أوكرانيا وجورجيا وأوزبكستان، بهدف التصدي للتوسع الروسي، وحافظت على مدى من التعاون الوثيق مع المملكة العربية السعودية والبلاد العربية، لإرساء التوازن مقابل النفوذ الإيراني في الخليج.

كانت للقوى الإقليمية الأساسية بالمقابل، وما زالت، مصالح مشتركة للتعاون في ما بينها للحد من طغيان النفوذ الأمريكي. كانت فرنسا وروسيا والصين وإيران والهند، تعمل معاً للترويج لمصالحها ضد أمريكا في مجلس الأمن، لكن كلاً من القوى الإقليمية الكبرى، كانت تحصل من الولايات المتحدة على ترضيات مثل العضويات في منظمات دولية، والتكنولوجيا، والأسلحة والمساعدات الاقتصادية، والدعم الدبلوماسي، بما أعاق قدرتها على تشكيل تحالف مستقر مناهض لأمريكا، لكن نظرية العلاقات الدولية بقيت كامنة لنتوقع بروز تحالف كهذا، قد نراه يتحقق فعلاً، بينما يتراجع النفوذ النسبي للولايات المتحدة في العالم.

[email protected]

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم الإنسانية، ودكتوراه في الإعلام السياسي ( جامعة السوربون) .. أستاذ العلوم السياسية والإعلامية في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية ومدير سابق لكلية الإعلام فيها.. له 27 مؤلفاً وعشرات الدراسات والمحاضرات..

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"