غمضة عين

00:13 صباحا
قراءة دقيقتين

كنت أفكر في كيف هي حال الدخول إلى غرفة العمليات، تلك الغرفة التي لم أرها في حياتي إلّا في الأفلام والمسلسلات، كنت أرى كل شيء قد يفعله الطبيب، محاطاً بكل تلك الأجهزة والمعدات، كل تلك التصرفات التي قد تصدر لحظية في وقتها لأخذ قرار بالنيابة عن مريض مغيّب عن الدنيا، وكل تلك الأفكار التي كنت أتساءل عنها في عقله، كيف تمر عليه تلك الساعة بل الساعات؟ كنت محاطة بالقلق والتساؤلات، ولم أحاول حتى أن أقرأ عن عالم التخدير، كل ما أعرفه عنه أنه الغياب عن الوعي، ولم يسبقني فضولي البحثي إلى العم «غوغل».
قبل أيام كنت مريضة، وكانت طبيبة التخدير تشرح لي في غرفة التحضيرات، أنها أرحم شخص بي وأنها سترسلني إلى عالم الأحلام الجميل في نوم عميق، لم أقل لها «يا ريت»، بل سبقتني دموعي، قد أكون عاطفية لكنه شعور باحتياج شديد إلى شيء ما، شخص ما، حالة ما. كانت إحدى الممرضات تمسح دموعي، وأنا لا أدري لماذا لم أكن أبالي كثيراً بما سأخوضه، كنت أردد دعاء الاستخارة، مراراً، وقلت «أنا في معيّة الله» وهذا ما عشت عليه طوال عمري. 
رافقتني الممرضات إلى الغرفة، رأيت الإضاءات والأجهزة، وغفوت، تلك كانت «غمضة عين»، استيقظت وأنا أقول لهم أنا في وعيي، لا أدري هل انتهى الأمر، بدأت أحسّ بالألم وبأن شيئاً ما غريباً في جسمي. لكن السؤال الذي سألته لنفسي: أين ذهبت؟ ومن قابلت؟ لماذا كانت صفحة بيضاء فقط، لا شيء أذكره..!
أعرف أني خرجت مستيقظة، رأيت وجوه أخواتي وعرفت أن هناك أمراً ما، لم أقلق، فقد استخرت، أدركت أنني في ممر يسير بي سريعاً إلى الغرفة، والكل يتحدثون معي، كنت بدأت أحسّ بأن الألم يزداد، نظرت ليدي الاثنتين محقونتين بالإبر، وكم الأدوية الذي بدأ يسير بداخلي، لا أعلم حقيقة هل خضت عملية ما؟ هل أنا بخير؟ هل جرى الأمر كما أردت؟ وهل سأتخلص من ذلك الألم المخيف؟ جاءتني أجوبة كثيرة، من الطبيبة، من أخواتي اللواتي لأول مرة في حياتهنّ تعطى لهنّ فرصة أن يقررن بالنيابة عني وأنا مخدّرة والأطباء ينتظرون القرار النهائي، لا يهم ماذا كان، لكني ابتسمت وقلت لهم «أنا استخرت».
أكتب لكم هذه المقالة وأنا ما زلت أتعافى، كلما ضغطت على حرف، أحسّ بألم ما، أحسّ بأن جسمي يتعاطف معي ليساعدني على إكمال رحلة العلاج القادمة المتوشحة بدعوات كثيرة وصلتني ولا تزال تصلني، دعوات في ظهر الغيب أنقذتني وهي أقرب لله مني. حين أفقت رأيت الساعة وعرفت كم غبت، لكني لم أعرف أنني في غيابي كانت القلوب التي تنتظر بشوق أن تطمئن علي كثيرة. شكراً لكل شيء في هذه الحياة وعلى نعمة الصحة والعافية.

[email protected]

عن الكاتب

مؤلفة إماراتية وكاتبة عمود أسبوعي في جريدة الخليج، وهي أول إماراتية وعربية تمتهن هندسة البيئة في الطيران المدني منذ عام 2006، ومؤسس التخصص في الدولة، ورئيس مفاوضي ملف تغير المناخ لقطاع الطيران منذ عام 2011

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"