أين ذهبت معارفنا؟

00:48 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

منذ اليوم الأول لدخول التلميذ إلى المدرسة، يبدأ في تحصيل المعرفة، وكلما انتقل من صف إلى آخر أو من مرحلة إلى أخرى، تتكون لديه معلومات ومعارف كثيرة، في اللغة والتاريخ والجغرافيا والرياضيات والكيمياء والفيزياء والفضاء والدين والطبيعة والتربية وغيرها، وحين يصل إلى المرحلة الجامعية يبدأ في التخصص، إما في العلوم الإنسانية أو العلوم التطبيقية، حتى إذا انتهى من تخصصه، يفترض به أن يكون جامعاً لعلوم شتى ومتخصصاً في علم واحد ومتبحّراً فيه. ولمزيد من التفصيل، يفترض بالخريج الجامعي أن يكون ضليعاً في اللغة، صرفها ونحوها وبيانها، وأن يكون محيطاً بتاريخ البلدان، أقلّها تاريخ بلده وقوميته، وعلى معرفة كافية بجغرافيا بلده ومحيطها، وأن يكون ملماً بالقواعد الرئيسية للرياضيات والكيمياء والفيزياء، ومثقفاً في الدين والتاريخ الديني، وأن يكون قد تعرّف إلى شخصيات مؤثرة في تاريخ العالم أو بلده، في مجالات العلوم والفلسفة وغيرها من المعارف. باختصار، يفترض أن نكون  أشخاصاً متعلمين ومثقفين.

لو حصرنا كمية العلوم ونوعيتها التي تحصّل عليها الفرد خلال مسيرته التعليمية، لوجدناها كثيرة كماً ونوعاً وكافية، لأن يتحدث صاحبها في مواضيع شتى، لكننا سنصدم وندهش حين نكتشف أن الفرد الخريج من الجامعة أو الثانوية العامة لا يتذكّر سوى نسبة ضئيلة من تلك المعارف. ترى ما هو السبب؟ هل في طرائق التعليم أو في المناهج الدراسية أم في القدرة الاستيعابية للطالب أم في الحجم الكبير للمعلومات والمعارف؟

  تحدث الأكاديميون والباحثون في مجال العملية التعليمية كثيراً عن الأسلوب التلقيني في التدريس، وأجزم أنه لا يزال قائماً حتى اليوم في بعض المدارس وبنسب مختلفة، وهو أسلوب يعتمد على حشو عقل التلميذ بالمعلومات من دون فهمها أو استيعابها، ما يجعل رسوخها معرّضاً للخلل إن لم يكن للمحو والنسيان، والدليل، على صعيد اللغة، أن نسبة من التلاميذ يتخرجون في الثانوية العامة وهم يجهلون كيفية إعراب جملة بسيطة، أو لا يستطيعون القيام بعملية حسابية صغيرة، أو لا يعلمون حدود هذه الدولة من تلك، الأمر الذي يطرح علامات استفهام عن حاجة الطالب لكثير من المعارف والمعلومات التي يتلقاها في المدرسة. 

وتبرز قضية جوهرية في هذا المقام ويمكن طرحها على شكل سؤال: هل يحتاج الطالب إلى ذاك الحجم من المعارف وهو صغير أو حين يكبر قليلاً؟ ولنطرح السؤال بصيغة أخرى، هل يستخدم الطالب كل تلك المعلومات في حياته؟ وهنا نطرح فكرة التعليم من أجل الحياة بعد أن طُرحت فكرة التعليم من أجل العمل، وقبلها فكرة التعليم من أجل التعليم، لنرجع ونطرح قضية محور العملية التعليمية، هل هو الطالب أم المدرّس؟ وهي قضايا تجاوزتها البلدان المتقدمة التي بدأت منذ عقود تهتم بميول الطالب، إن كانت علمية أو أدبية أو فنية؛ إذ يبدأ في تلقّي تعليمه قبل وصول المرحلة الثانوية من خلال تضمين المنهج المساقات المفضلة لديه.

أعتقد أنه آن الأوان لمراجعة أهداف التعليم ودوافع الطالب، والأخذ في الاعتبار ميول الطلاب التي تظهر من دون أدنى شك في سنواتهم الأولى، وليس بالضرورة أن تكون أدبية أو علمية أو فنّية؛ بل ربما تكون قيادية، وهنا لا بد من تفصيل مناهج خاصة لهذه الفئة تُعنى بإعداد القائد، وليس بالضرورة أن يكون قائداً سياسياً، لأن فن القيادة لا يقتصر على السياسة ويتجاوزها نحو المجتمع والإدارة والبيئة والرياضة، وأيضاً العلوم الإنسانية والتطبيقية.

التلميذ الصغير أو الطالب الكبير لا يحتاج إلى كل تلك المعارف التي ترهقه في الصغر ولا يتذكّرها في الكبر، وما أحوجنا في هذا العصر إلى التخصص، وهو الكفيل في إبقاء المعلومات وتطويرها في العقول. نحن في حاجة إلى ذلك كي نتوقّف عن السؤال: أين ذهبت معارفنا؟

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"