ديك يمثل أمام القضاء

00:05 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

لم يعد للديكة مكان في بيوت المدن، لكن في ذاكرة الطفولة والصبا محفوظة أصوات الديكة التي كانت من حولنا، وفي داخل بيوتنا. ولا أذكر الآن أن تلك الأصوات كانت تسبب لنا إزعاجاً، ربما لأننا، باختصار، ألفنا ذلك الإزعاج وتعايشنا معه، بما في ذلك إيقاظ صياح الديكة لنا من «عزّ النوم».
في الذاكرة ما هو أهم. الأغنية الخالدة للعملاق الموسيقي سيد درويش، أغنية «الغلابة» الكادحين، ذوي الجيوب التي «مفيهاش ولا مليم»، الذين يصحون الفجر لتدبر أمور معيشتهم: «الحلوة ده قامت تعجن في البدرية والديك بيدن كوكو كوكو في الفجرية/ يلا بينا على باب الله يا صنايعية/ يجعل صباحك صباح الخير يا أسطى عطية».
بين عدة أسباب قرأتها لصياح الديك استوقفني السبب الذي يعزو ذلك إلى كون الديك حساساً تجاه الضوء، وهذا ما يفسر صياحه عند انبثاق ضوء الفجر، ولكن يمكن لضوء سيارة عابرة، بعد أن أصبح في العالم سيارات، أن يبعث على صياح الديك ظناً منه أن الفجر أتى، وهناك من يعزو الأمر إلى «ساعة بيولوجية داخلية» لدى الديك.
تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة: سيظلّ الديك يصيح غير آبه بأضواء البشر، فلعلّ في نفسه غايات أخرى كتلك التي سبّبها رجل وزوجته في منطقة للاستجمام في ولاية شمال الراين - فيستفاليا الألمانية لرفع دعوى قضائية ضد ديك يصيح في اليوم أكثر من 200 مرة ليحوز إعجاب الدجاجات في حديقة مجاورة. ولا نحسب أن الأقدمين، بمن فيهم غلاة المنزعجين من صياح الديكة، فكروا أن يأتي يوم يفكر فيه أحدهم أن يرفع دعوى ضد ديك لأن صياحه بات سبب إزعاج له.
تضمنت لائحة الدعوى التي رفعها الرجل البالغ من العمر 77 عاماً وزوجته ذات ال 76 عاماً، قائمة بالتفاصيل، التي هي بمثابة سجل يومي لصياح الديك: «يبدأ الصياح من لحظة خروجه من القن في الساعة الثامنة صباحاً ويستمر بالصياح على مدار اليوم وبمعدل بين 100 إلى 200 مرة»، موضحين أنهما اضطرا لرفع الدعوى بعد فشلهما في إقناع صاحب الديك بالتخلي عنه.
من ألمانيا ذاتها هناك خبر نقيض: في مقاطعة بإحدى الولايات تجرى مسابقات لاختيار أعلى الديكة صياحاً.
[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"