عادي

رواية تُقرأ لمرة واحدة

23:33 مساء
قراءة 5 دقائق

استطلاع: نجاة الفارس

لماذا لم تزدهر الرواية البوليسية في الأدب العربي؟ يؤكد عدد من النقاد والكتاب تعدد أسباب غياب الرواية البوليسية أمام الأنواع الأخرى من الرواية، ومنها غياب الكتابة في هذا النوع الذي لا يجد اهتماماً من القارئ العربي، كما هو الحال في الرواية البوليسية المترجمة، أو اهتمام الروائي العربي بالقضايا الاجتماعية والنفسية والإنسانية أكثر من الاهتمام بقضايا الجريمة والغموض، فالرواية انعكاس للواقع الاجتماعي وللظروف الحياتية اليومية، حيث يلاحظ الباحث والمتتبع ارتفاع نسبة العنف والجريمة في المجتمعات الغربية قياساً بنسبتها الضئيلة في المجتمعات العربية.

وتعتبر الرواية البوليسية رواية معقّدة من حيث البناء ورسم الشخصيات واللغة الوصفية ذات الصلة بالأمكنة وأدوات الجريمة، ومن أهم الأسباب التي تؤدي إلى العزوف عن كتابة هذا النوع من الروايات، أنها رواية القراءة الواحدة، إذ تنتهي وظيفتها مع انتهاء السطر الأخير فيها، ولا يعود القارئ للقراءة الثانية، أو الثالثة لها.

الدكتورة مريم الهاشمي ناقدة وأكاديمية، تقول: «الرواية البوليسية تعاني الضبابية عند كثير ممن يتعاطى النقد والأدب، وتتقاطع أحياناً مع أدب الخيال العلمي الذي بدوره كذلك يتقاطع مع أجناس أدبية أخرى كالفانتازيا والأسطورة والخرافة؛ ليقف أغلب النقاد محبطين من استخلاص تعريف ومفهوم واضح لهذا الأدب، فمن ذهب إلى أنه ذلك الأدب الذي يتعامل، جزئياً أو كلياً، مع موضوعات الغرائب والخوارق والمخاطر، وغالباً حين يلقى الضوء على الرواية البوليسية يتم ذكر الخيال العلمي، بشكل أو بآخر، كونهما دخلا على الرواية العربية نتيجة التأثر بالرواية الغربية، وما أدى لظهورها هي ذات أسباب تغير وتطور الرواية، بشكل عام، والذي يعود السبب الرئيسي إلى التغير الاجتماعي، وتغير منبع هذا النوع من الكتابة السوسيونصية، ولا ننكر أن الرواية البوليسية تعتبر رواية هامشية إلا أنها من أكثر الأنواع التي تصلح أن تفلت من عين الرقيب، الذي يحاول أن يترصد الموضوعات الاجتماعية، كالعنف والجرائم والشذوذ الاجتماعي، بأنواعه، وهذا النوع لا يجد اهتماماً من القارئ العربي كما يجده عند الرواية البوليسية المترجمة، فضلاً عن اهتمام الروائي العربي الكبير بالقضايا الاجتماعية والنفسية والإنسانية، أكثر من الاهتمام بقضايا الجريمة والغموض، وتتطلب الرواية البوليسية طريقة التدرج في الحدث واللغة والتشويق وفهم الذكاء الاصطناعي والمعلوماتية. وقد يعود السبب في قلة الأعمال البوليسية تخلف العرب في التطور التكنولوجي ما أدى إلى صعوبة فهم العمل الشرطي مثلاً، واستخدام التكنولوجيا في تفكيك الجريمة، ولذا نجد غزارة في التلقي العربي للرواية البوليسية المترجمة وشحّ في نتاجها العربي».

اهتمام خجول

الدكتور أحمد عبد المنعم عقيلي ناقد وأكاديمي، يقول: «يعدّ فن الرواية العربية من أبرز الفنون الأدبية الحداثية، فهي وليدة نحو عقد ونصف العقد من الزمن، فقد ولدت أول رواية عربية عام 1867 لتبدأ الرواية العربية بإثبات حضورها وبقوة إلى جانب الفنون الأدبية الأخرى: الشعر القصة، والمسرح».

ويضيف: «يجد الباحث والمتتبع لهذه الرواية أنها تبوأت مكانة متميزة في الأدب العالمي، وأن معظم موضوعاتها قائمة على قضايا الجريمة واللصوص والسعي وراء اكتشاف حلقاتها المفقودة، ويعدّ الوسط الاجتماعي السائد في هذه الرواية أنموذجاً للصراع بين العدالة والفساد، وهو عالم مملوء بالطرق الملتوية والمنحدرة، وقد حققت الرواية البوليسية العالمية نجاحاً بارزاً، وحضوراً قوياً، كما هو الحال لدى إدجار ألان بو، تشارلز ديكنز، دان براون، وغيرهم».

ويذكر الدكتور عقيلي، بالمقابل لو نظرنا إلى واقع الرواية البوليسية في العالم العربي لوجدنا حضوراً متواضعاً، واهتماماً خجولاً بهذه الرواية من قبل الروائيين والأدباء العرب، ولعل السبب في ذلك التباين في طبيعة البيئة الاجتماعية والثقافية والفكرية بين المجتمعين، فالرواية انعكاس للواقع الاجتماعي وللظروف الحياتية اليومية، حيث يلاحظ الباحث والمتتبع ارتفاع نسبة العنف والجريمة في المجتمعات الغربية، قياساً بنسبتها الضئيلة في المجتمعات العربية، إضافة إلى طبيعة المجتمع العربي الرافضة لواقع الجريمة ومخالفة القوانين، والمتمسكة بالمبادئ والعادات والتقاليد الاجتماعية المحبة للتسامح والسلام، مع الإشارة أيضاً إلى انشغال معظم الروائيين العرب بتصوير واقعهم الاجتماعي والثقافي بما فيه من جوانب إيجابية لتطويرها والحفاظ عليها، وجوانب سلبية لتجاوزها ومعالجة أسبابها، كلّ ذلك يوضح سبب ضعف حضور الرواية البوليسية في الحركة الثقافية العربية، وعدم ازدهارها قياساً بما هو عليه حالها في الواقع الثقافي الغربي.

المجتمعات الغربية

القاصة والروائية فاطمة سلطان المزروعي، تقول: «البيئة العربية بشكل عام، والخليجية خاصة، بتركيبتها الاجتماعية والثقافية، فرضت على المجتمع نوعاً معيناً من أسلوب الحياة، وذلك انعكس على الشخص وتكوينه وحياته الاجتماعية والثقافية، لذلك نجد في الإمارات خاصة عندما بدأت الرواية تحدثت عن البيئة الصحراوية والبحر والنخلة ومعاناة الناس ومدى تأقلمهم مع الحياة، ورغم عمق تلك الفترة والكتابات الناجحة التي واكبتها لم يجد الأديب الإماراتي حاجة للكتابة البوليسية، فهي لا تنتمي إلى بيئته، وقطعاً وصلت إليه الروايات البوليسية، مثل روايات أجاثا كريستي، وأرسين لوبين، وشارلوك هولمز، وغيرها من الروايات والقصص البوليسية، فالمتتبع لتاريخ الأدب الروائي في الإمارات لا يجد أدباً بوليسياً بالمعنى المتعارف عليه، من تشويق وغموض وجرائم، حيث إن مناخات وعوالم هذه الروايات أكثر ملاءمة للمجتمع الغربي بسبب طبيعة المجتمعات الغربية وتعقيدها وكثرة المشاكل والعنصرية والجرائم والمخدرات والإرهاب والقتل والاختطاف، ورغم وجود قاعدة قراء محبة لهذا النوع من الأدب إلا إنه لا يستهوي الكتاب في الخليج والإمارات على الرغم من وجود محاولات لا ترقى أن تكون أدباً بوليسياً، لأنها تفتقر لعناصر السرد البوليسي وهي تعتبر شكلاً من أشكال التجريب، لكونها تمتلئ أحياناً بالتحليل والسرد الإنشائي والإسهاب والمبالغة، وظلت محاولات غير معروفة ولم تحصل على النقد والترويج الإعلامي، ولم تجد أي صدى لدى القراء، إذ اعتاد القراء على قراءة القصة البوليسية الغربية المترجمة التي تدور حول أجهزة الأمن والمخابرات واللصوصية والبحث عن الحقيقة، وظلت مجتمعاتنا تكتب عن نفسها من الأحداث اليومية، كالإنسان الذي يعاني الاستنزاف الفكري والمالي والنفسي، ومدى تأثير الخسارة فيه، فهذه المواضيع تقفز في الصدارة لدى الكاتب العربي، أما الروايات البوليسية فهي ضعيفة في مجتمعاتنا، أو هي في تراجع مستمر».

ازدهار

الدكتور أديب حسن شاعر وروائي، يقول: «في فترة من الزمن، خاصة أواخر السبعينات، ازدهرت القصص والروايات البوليسية الموجهة للفتيان، لكن أغلبيتها كانت مترجمة، وكنا نتلقفها في شغف ونتفاعل معها، وربما أحد أهم الأسباب التي تؤدي إلى العزوف عن كتابة هذا النوع من الروايات، أنها رواية القراءة الواحدة، إذ تنتهي وظيفتها مع انتهاء السطر الأخير فيها، ولا يعود القارئ للقراءة الثانية، أو الثالثة لها، على عكس الروايات التي تتناول مواضيع حياتية وإنسانية وأحداثاً تاريخية، تسحب القارئ لعمق أحداثها وتعطيه العديد من الاحتمالات حول ماهية الأحداث وتحليل الشخصيات، فالروايات العظيمة نعود، بين حين وحين، لقراءتها، وفي كل قراءة نكتشف شيئاً جديداً لم نكتشفه في قراءاتنا السابقة، أما الرواية البوليسية، فتشبه كل ما يتم استعماله مرة واحدة، ثم يوضع بعد ذلك على الرف ربما للأبد».

تعقيدات

الشاعر والروائي أنور الخطيب، يوضح أن الرواية البوليسية معقّدة وصعبة من حيث البناء الروائي ورسم الشخصيات واللغة الوصفية ذات الصلة بالأمكنة وأدوات الجريمة وتتطلب عقدة قوية ومنطقية، والروائي العربي غير مهيّأ لها، لأنه لم يغادر حتى اليوم اللغة الإنشائية والبلاغية وإطلاق المقولات والحكم والتداعي والمسارات العاطفية والفلسفية والوصفية، بينما الرواية البوليسية تعتمد على الحركة والمعلومة وبناء الشخصيات المتقن، من الداخل والخارج، إضافة إلى الاتكاء على قصص حقيقية.

الرواية البوليسية قليلة في العالم، وليس في الرواية العربية فقط، لأنها تعتمد على التعاون بين المؤسسة الأمنية والكاتب، ومن جهة أخرى يخشى الكاتب المساءلة إذا ما صادف تشابهاً بين أجواء روايته وواقعة حقيقية، ويفضل النأي بنفسه عن المشاكل منذ البداية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"