على حافة الازدهار

23:44 مساء
قراءة 3 دقائق

د.باسمة يونس

ظهرت الرواية البوليسية في الأدب العربي في العصور الوسطى في أكثر من شخصية، مثل الخليفة المعتضد في القرن التاسع، والذي لم يتردد في التحقيق بجرائم حدثت في زمنه، يوثقها أبو الفرج بن الجوزي في كتابه «أخبار الأذكياء»، وفي قصة الخليفة هارون الرشيد الذي طلب من الوزير جعفر البرمكي التحري عن قاتل، كما ورد في كتاب «ألف ليلة وليلة»، ومع هذا يرى البعض بأن الرواية البوليسية لم تجد لها مكانة في العالم العربي، لأكثر من سبب.

رواية الجريمة؛ أي التي يتعلق موضوعها بجرائم وقضايا صعبة الحل أو الاكتشاف، لم تزدهر في العالم العربي فعلاً، لأسباب منها ما يتعلق بعدم تفضيل الكتّاب استحضار الجرائم كمواضيع أساسية، كونها تنحو ناحية الترفيه والتسلية، مقارنة بموضوعات أكثر عمقاً وقيمة؛ مثل الحب والشجاعة والتفكير في المستقبل.

كما أن هناك سبباً آخر يقف عائقاً أمام الرواية البوليسية، وهو غياب المحقق الخاص في العالم العربي، كما هي الحال في الغرب، بسبب طبيعة المجتمع المُسالم، والذي لا يقدر قصص الجريمة، ولا يستسيغها، مقارنة بعلو قيمة قصص الحب والشجاعة، إضافة إلى أن المؤسسة الأمنية؛ أي الشرطة في العالم العربي معنية وحدها بحل هذه الجرائم؛ بحيث يصعب على كاتب الرواية أحياناً إخراج هذه المهمة من سياق مؤسستها المتعارف عليها.

وينظر البعض إلى هذا النوع من الأدب نظرة رفض، لتعلقه بوقوع جرائم قتل مؤذية، تفرض القسوة على المشاعر، وهو في مجمله يشير إلى غياب الأمن والأمان، وحلول الشر محل التسامح والتعاطف اللذين يشكلان بنية المجتمعات العربية المسالمة، والرافضة لهيمنة الشرور، والراغبة في تجاهلها ومحاربتها بهذا التجاهل.

وهناك رأي يؤكد أن الروايات من هذا النوع لا تنجح إن لم تتسم بقدر هائل من التشويق والإثارة مع تضمنها حضور شخصية المحقق الخاص الذي يعمل خارج المؤسسات الأمنية، ويسبقها في حل الجريمة.

ويشكل اعتماد هذه الروايات في حبكتها الرئيسية على الجريمة المنظمة أو التي لا تقتصر أحياناً على جريمة فردية، عائقاً أمام ازدهارها، لكونها جرائم غير منتشرة في العالم العربي، والذي يفضل عدم الخوض في مثل هذه النوعية من القصص أو طرحها كأفكار، ما يجعلها بعيدة عن أقلام الكتّاب الراغبين في التواصل مع المجتمعات بموضوعاتها وقضاياها الأقرب إليها.

ويرى كثير من الأدباء أن الرواية المتعلقة بالجريمة، أدب يستسهل الكتّاب لغته، ويقللون من شأنه، كي يتناسب مع القرّاء الباحثين عن الاستمتاع بقصة مشوقة، ومعظمهم من المراهقين الباحثين عمّا يشغل عقولهم، ويساعدهم على تمضية أوقات الفراغ بأعمال تستدرج ذكاءهم وتفكيرهم، بينما انصرف النقد عن هذا النوع من الروايات، كونها عاجزة عن بلوغ مستوى الأدب المفعم بالمشاعر والبلاغة في ظل اعتمادها الأكبر على التشويق والإثارة.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد البعض أن الرواية البوليسية ليست غائبة عن الأدب العربي؛ بل متواجدة فيه، لكنها ضائعة بين التصنيفات التي لم تميزها كما في الغرب الذي يفرق بين أنواعها مثل كونها رواية «جريمة» أو «لغز» أو «مفاجأة» أو «محقق» أو «تشويق» أو «إثارة» أو «غموض» أو «رعب» وغير ذلك من تعريفات شتى، تُعطي كل عمل حقه.

ومع وجود بوادر اهتمام بهذا الأدب، وظهور تحول في نظرة الأدباء للكتابة في موضوعاته، فقد نراه متصدراً قوائم الناشرين، ومزدهراً بأسرع مما نتخيل.

[email protected]

 

عن الكاتب

​كاتبة ومستشارة في تنمية المعرفة. حاصلة على الدكتوراه في القيادة في مجال إدارة وتنمية المواهب وعضو اتحاد كتاب وأدباء الإمارات ورابطة أديبات الإمارات. أصدرت عدة مجموعات في مجالات القصة القصيرة والرواية والمسرح والبرامج الثقافية والأفلام القصيرة وحصلت على عدة جوائز ثقافية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"