عادي

الإبادة النووية.. خطأ واحد

23:55 مساء
قراءة 4 دقائق
محطة زابورجيا للطاقة النووية في أوكرانيا

كتب: المحرر السياسي
توحي مجريات الأحداث على الساحة العالمية بأن إحساس صناع القرار والمسؤولين في الدول المتنازعة قد تبلّد حيال التهديدات التي يتعرض لها العالم، بدءاً من التهديد النووي، وانتهاء بالجوع الذي يهدد أغلبية شعوب العالم والتغيرات المناخية التي تنذر بكوارث لا حصر لها.

رغم تعالي أصوات التحذير من التهديدات، إلا أن استجابة الدول الفاعلة بقيت حتى الآن على الأقل، محكومة بالمصالح التي تدفع الأطراف للمبالغة في تقدير أطماع الخصوم وتضخيم خطرهم، ما يحرض على مزيد من العناد والتصلب في مواقف المتنازعين، ومن ثم البحث عن آليات جديدة لتصعيد المواجهات رهاناً على مكاسب قد تكون متوهمة.

ضبط وتيرة المعارك

وفي إطار ذلك التصعيد تأتي تهديدات استخدام السلاح النووي التي تكررت بداية كنوع من المناورة الهادفة إلى ضبط وتيرة المعارك على الأرض ودرجة تطور الأسلحة المستخدمة فيها. لكن التهديد النووي الوشيك الذي ينذر بالانفجار لم ينتج عن سلاح نووي يستخدمه هذا الطرف، أو ذاك، رغم أنه ما زال في دائرة الاحتمالات، بل عن تهديد منشآت نووية باتت واقعة في مرمى النيران، قد لا يكون في وسع أي طرف الحيلولة دون انفجارها خطأ، أو عمداً، وهو حال محطة زابورجيا النووية الأوكرانية.

معلوم أن هذه المحطة هي أكبر محطة للطاقة النووية في أوروبا، ومن بين أكبر 10 محطات في العالم. وقد تم بناؤها من قبل الاتحاد السوفييتي بالقرب من مدينة إنرهودار، على الشاطئ الجنوبي لخزان كاخوفكا على نهر دنيبر، لتأمين مياه التبريد التي تحتاج إليها المفاعلات. ويتم تشغيلها من قبل شركة «إنرجي أتوم» الأوكرانية التي تشغل أيضاً محطات الطاقة النووية الثلاث الأخرى في البلاد.

والخطر الداهم اليوم ناتج عن وقوعه المحطة في قلب ميدان المعارك بين الغرب وروسيا. فقد استولت القوات الروسية على محطتي الطاقة النووية والحرارية في مجمع زابورجيا يوم 4 مارس/ آذار 2022، خلال معركة إنرهودار، حيث أصبحت خاضعة لسيطرة شركة «روساتوم» الروسية، وبقي تشغيلها على يد موظفيها الأوكرانيين، تحت السيطرة الروسية.

واليوم صارت المحطة النقطة المحورية للقلق العالمي المتزايد بعد أيام من القصف المتبادل في محيطها، ما أثار دعوات لخبراء دوليين لزيارة المنشأة وزادت المخاوف من وقوع حادث نووي محتمل.

كارثة محتملة

واتهمت كييف مراراً، القوات الروسية بتخزين أسلحة ثقيلة داخل المحطة واستخدامها كغطاء لشن هجمات، مع العلم أن أوكرانيا لا يمكنها الرد على النيران من دون المخاطرة بضرب أحد المفاعلات الستة بالمحطة، وهو خطأ من شأنه أن يسبب كارثة.

في غضون ذلك، قالت موسكو إن القوات الأوكرانية تستهدف الموقع. ويتبادل كلا الجانبين توجيه أصابع الاتهام، ويسعى كل طرف إلى تحميل الطرف الآخرمسؤولية تهديد الإرهاب النووي.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في بيان خاص حول الأزمة: «للأسف، بدلاً من وقف التصعيد، كانت هناك تقارير خلال الأيام الماضية عن المزيد من الحوادث المقلقة للغاية والتي قد تؤدي، إذا استمرت، إلى كارثة».

واتهمت شركة الطاقة النووية «إنرجي آتوم» التي تديرها الحكومة الأوكرانية القوات الروسية، الأسبوع الماضي، باستهداف منطقة تخزين «المواد المشعة».

وواصلت روسيا اتهام أوكرانيا بالوقوف وراء الهجمات. وقال فلاديمير روجوف، المسؤول المحلي في الإدارة الروسية لمنطقة زابورجيا، إن هناك أضراراً مستمرة يتعرض لها خط نقل الطاقة الكهربائية عالي الجهد في المحطة.

ويخشى خبراء دوليون في مجال الطاقة النووية من التأثير الكارثي الذي يمكن أن تسببه قذيفة خاطئة، خاصة بعد أن دمرت نيران القذائف منشأة تخزين جاف - حيث يتم الاحتفاظ ببراميل الوقود النووي المستهلك في المحطة - إضافة إلى أجهزة الكشف عن الإشعاع، ما جعل اكتشاف أي تسرب محتمل أمراً مستحيلاً. كما دمرت القذائف خط كهرباء وأجبرت أحد مفاعلات المحطة على التوقف عن العمل.

وقد دفع التصعيد في القصف الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تكثيف جهودها لإرسال بعثة خبراء لزيارة المحطة للوقوف على الأضرار التي لحقت بها، وتحديد سبل حمايتها.

وبينما خلص التقييم الأولي إلى أنه «لا يوجد تهديد فوري للسلامة النووية» في المحطة، قال جروسي إن «هذا يمكن أن يتغير في أي لحظة». وأضاف أنه بينما كانت الوكالة على اتصال متكرر بالسلطات الأوكرانية والروسية بشأن الأزمة، فإن المعلومات التي حصلت عليها كانت «متناقضة».

منطقة منزوعة السلاح

وتزايدت المطالب بوقف الأعمال العدائية، وأصدرت مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى بياناً بعد اجتماعها في ألمانيا، دعت فيه روسيا إلى سحب قواتها وتسليم السيطرة على المحطة إلى أوكرانيا.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة أيدت الدعوات لإنشاء «منطقة منزوعة السلاح» حول محطة الطاقة النووية، وطالبت روسيا بوقف جميع العمليات العسكرية في المنشآت النووية الأوكرانية، أو بالقرب منها.

لكن قد يحرض هذا الموقف الغربي الروس على التمسك بمواقفهم والدفع باتجاه مزيد من السيطرة على المحطة باعتبارها تشكل عنصر ضغط شديد على الدول المجاورة لأوكرانيا، سواء كانت أعضاء في حلف شمال الأطلسي أو في الاتحاد الأوروبي، ومعظم تلك الدول شريك في الحرب بشكل مباشر، أو شريك في العقوبات التي فرضها الغرب على روسيا.

وتقتضي أبسط قواعد المواجهة بين الخصوم استخدام الأسلحة الأكثر إيلاماً وفاعلية سواء في العمليات العسكرية، أو غيرها، ما ينذر بانسداد أفق التوافق على حل دبلوماسي يحول دون تعريض العالم لكارثة نووية، وهو ما عبر عنه صراحة الأمين العام للأمم المتحدة عندما قال: «كل ما يفصل العالم عن الإبادة النووية هو خطأ واحد».

https://tinyurl.com/yn5932mb

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"