عادي

العراق.. بين مشروعي «التيار» و«الإطار»

23:41 مساء
قراءة 4 دقائق
1

د. أحمد سيد أحمد

لا تزال حالة الانسداد السياسي هي المسيطرة على المشهد العراقي في ظل فشل مبادرات الحوار والوساطة للخروج من الأزمة واستمرار حالة الاستقطاب الحادة والصراع بين مشروعي التيار الصدري والإطار التنسيقي.
في المعركة بين مشروعيهما، استخدم كل من التيار والإطار سلاح الحشد الجماهيري والاعتصام في محاولة لإظهار القوة والتأييد الشعبي له، ما فاقم من تعقد الأزمة، في ظل استمرار حالة التناقض في المواقف بين الجانبين، وغياب أية آفاق للحل. وقد تفجرت الأزمة بعد أن قوبل ترشيح الإطار التنسيقي لمحمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، بمعارضة شديدة من جانب التيار الصدري، باعتبار السوداني محسوباً على نور المالكي، وأنه استمرار للفساد وسياسات الحكم السابقة. وقام مناصرو التيار باقتحام البرلمان تعبيراً عن رفض السوداني.

وفي الوقت نفسه كان رد فعل الإطار هو اللجوء إلى الشارع وإخراج التظاهرات والاحتجاجات المؤيدة له رفضاً لاعتصام أنصار التيار الصدري في البرلمان، وقام مناصرو الإطار باعتصام مقابل على أسوار المنطقة الخضراء.

التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، طالب بحل البرلمان واعتبر أنه السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، وطالب الصدر مجلس القضاء الأعلى بإصدار قرار بحل البرلمان، لكن مجلس القضاء، رغم تضامنه مع مطالب الصدر بإصلاح العملية السياسية، رفض حل البرلمان لأن هذا ليس من صلاحياته وفقاً للدستور، واستمر الصدر في المسار القضائي، إلى جانب المسار الجماهيري، وطالب المحكمة الاتحادية العليا بأن تتدخل لحل البرلمان باعتبار أنه قد تم تجاوز المدد الدستورية الخاصة باختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، وفي الوقت نفسه أكد الصدر لأنصاره أن القضاء خط أحمر.

وفي المقابل رفض الإطار مطالب الصدر بحل البرلمان إلا بشروط، وهي العودة للدستور والقانون، وأن يتم فض الاعتصام داخل البرلمان أولاً، وأن يتم استئناف الجلسات وتشكيل حكومة جديدة تشرف على إجراء الانتخابات المبكرة، حيث يعتبر الإطار أن حكومة مصطفى الكاظمي، هي حكومة تصريف أعمال وليس من صلاحياتها إجراء انتخابات مبكرة.

خطورة الصدام

في ظل هذه التعارض في المواقف، فشلت المبادرات المختلفة في الخروج من الأزمة، فقد دعا رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الأطراف العراقية إلى الحوار وتقديم التضحيات وتغليب لغة العقل والحكمة ومصالح العراق العليا، لأن الفتنة إذا اندلعت ستحرق الجميع. كما لم تنجح دعوات الرئيس برهم صالح للحوار، وكذلك دعوة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان برزاني، الأطراف المختلفة للحوار، كما فشلت جهود هادي العامري في التقريب بين الحزبين الكرديين لاختيار رئيس الجمهورية، ومن ثم اختيار رئيس الوزراء، ما عكس حالة عدم الثقة بين الأطراف السياسية العراقية، واستمرار تشبث كل من التيار والإطار بمواقفه، ما يؤدي إلى تداعيات خطيرة، خاصة أن استراتيجية حشد الجماهير في الشارع وسياسة حافة الهاوية تنذر بعواقب وخيمة ومخاطر حرب أهلية.

الصراع بين مشروعي الإطار والتيار أصبح على مستويات عدة ومعقدة: مستوى سياسي حيث يعتبر التيار أن حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة هو الحل، بينما يتمسك الإطار بما يسميه الدستور والقانون وعودة البرلمان الحالي لعمله، وهو انعكاس لتناقض الرؤى بين الجانبين في تشكيل الحكومة، حيث طالب التيار الصدري بتشكيل حكومة أغلبية وطنية وشكّل بالفعل تحالف إنقاذ وطن الذي ضم أيضاً تحالف السيادة والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسعى لإنهاء المحاصصة الطائفية ومحاربة الفساد، وفشل في ذلك بسبب إجهاض الإطار لتلك الحكومة عبر استخدام الثلث المعطل في البرلمان وعدم اكتمال النصاب القانوني وهو 220 صوتاً. وفي المقابل تمسك الإطار التنسيقي بحكومة توافقية، كما هو حال الحكومات السابقة، وبالتالي أصبحنا أمام صراع سياسي وجماهيري وقانوني، هل الأولوية للشرعية الثورية كما يرى التيار، أم للشرعية القانونية كما يطالب الإطار، والذي شكك بعض مكوناته في نزاهة الانتخابات السابقة ولجأ للقضاء وطالب بإعادتها؟ لكن تغيرت المواقف وأصبح الإطار يتمسك بالانتخابات السابقة والبرلمان الحالي، خاصة بعد استقالة الكتلة الصدرية من البرلمان وانفراده بالكتلة الأكبر المخولة بترشيح رئيس الوزراء، بينما انتقل التيار من البرلمان إلى الشارع باعتباره الأساس والامتداد لتظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 التي خرجت رفضاً للمحاصصة الطائفية ورحيل الطبقة السياسية الحاكمة منذ عقدين، وتسببت بمشكلات العراق وانتشار الفساد والتدهور الاقتصادي.

سيناريوهات عدة

هناك محاولات حثيثة للخروج من الأزمة، والسيناريو الأول هو إجراء حوار وطني بين كل الأطراف، خاصة الإطار والتيار، وتقريب وجهات النظر والتوصل إلى صيغة وسط توافقية، وإجراء الانتخابات المبكرة.

أما السيناريو الثاني، هو استمرار حالة التناقض بين الإطار والتيار وفشل جهود الوساطة بينهما في ظل وصولهما إلى حالة اللاعودة، خاصة بعد تسريبات المالكي التي اعتبرها التيار مهينة ومسيئة لمقتدى الصدر.

وهناك سيناريو ثالث، يتمثل في دخول المرجعية الدينية الممثلة في السيد علي السيستاني على الخط، وقيامها بنزع فتيل الأزمة ومنع الصدام بين أنصار التيار والإطار، وقد تدخلت المرجعية بالفعل في مرات سابقة، لكن المرجعية خلال العامين الأخيرين انتهجت سياسة الحياد وأغلقت أبوابها أمام الكتل والأحزاب السياسية، لكن مقولة السيستاني إن المجرب لا يجرب ساهمت في تغيير كثير من الوجوه السياسية.

العراق على سطح صفيح ساخن، مع استمرار الانسداد السياسي وتزايد حدة الاستقطاب بين الإطار والتيار ومخاطر تحوله لصراع مسلح، لذلك إما أن تلجأ الكتل والتحالفات السياسية إلى الحوار والمفاوضات ورسم خريطة طريق للخروج من الأزمة ومنع الانفجار، وإما أن يدخل العراق في نفق مظلم.

* خبير العلاقات الدولية في الأهرام

https://tinyurl.com/3hprhdb2

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"