عادي

بكين وبروكسل.. علاقات مضطربة

23:58 مساء
قراءة 4 دقائق

كتب: بنيمين زرزور

قد يكون التصعيد في لهجة المتنافسين على زعامة حزب المحافظين البريطاني حيال الصين قابلاً للتفسير في إطار الدعاية الانتخابية فقط، لكن الأهم منه الموقف البريطاني والأوروبي عموماً، من العلاقة مع بكين في ضوء ما تمليه الأزمة في أوكرانيا والتطورات في خليج تايوان، من التزامات في إطار التحالف الغربي لمواجهة روسيا والصين.

صدرت عن كلا المرشحين لزعامة حزب المحافظين البريطاني ليز تراس، وريشي سوناك، عبارات تتهم الصين بافتعال أزمة في محيط جزيرة تايوان، حيث نددت السفارة الصينية في لندن بما وصفته بالتصريحات البريطانية «غير المسؤولة»، بعد أن استدعت تراس التي تشغل منصب وزيرة الخارجية البريطانية حالياً، السفير الصيني ليقدم تبريراً لتصرفات بكين تجاه تايوان. وكانت تراس استدعت السفير الصيني وأبلغته أن «السلوك العدواني المتزايد» للصين في أعقاب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي، نانسي بيلوسي، لتايوان يهدد السلام والاستقرار في المنطقة المحيطة بتايوان.

والحقيقة أن تشعب العلاقات بين الصين ودول الاتحاد يجعل مثل هذه التصريحات تصب في الخانة غير الصحيحة، بغضّ النظر عن سياسات المحاور والاستقطاب التي تعتري العالم في الوقت الحالي نتيجة الحرب في أوكرانيا.

ثلاث ركائز

هذا التشعب ليس جديداً، بل هو تاريخي ومستقر، حتى في عهد الرئيس، هو جينتاو، ورئيس الوزراء، وين جياباو. لكن في الوقت الحالي، هناك إجماع أكثر تعقيداً يتشكل تباعاً في ظل التقاء رؤى السياسة الخارجية الشاملة للزعيم الصيني الحالي، شي جين بينغ.

وهناك ثلاث ركائز تدعم رؤية القيادة الصينية الحالية لكيفية التعامل مع أوروبا، رغم ما تتعرض له من مطبّات. الأولى اعتبار الاتحاد الأوروبي «قطباً» حيوياً في نظام الهيمنة متعدد الأقطاب المتصور بعد أمريكا ؛ ثانياً، الاتحاد الأوروبي باعتباره شريكاً تجارياً واقتصادياً وماليا فعالاً، ومتعدد الأبعاد، يعمل على امتصاص الجزء الأكبر من صادرات الصين؛ ثالثاً، دور الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي - أولئك الذين كانوا تاريخياً أكثر تقبلاً للاتصال التجاري والاقتصادي مع الصين - كقوة موازنة حاسمة في وجه الولايات المتحدة.

تلخص هذه الركائز الثلاث الطريقة التي ينظر بها صانعو القرار في الصين إلى العلاقة مع أوروبا. وينظر الكثير من الأكاديميين والدبلوماسيين الصينيين إلى أوروبا – في ظل قيادة ألمانيا وفرنسا - كقطب يمكن أن يقف بشكل مستقل عن الولايات المتحدة والصين، على حد سواء. وإبان انعقاد القمة الصينية الأوروبية، دعا مدير قسم الدراسات الأوروبية في المعهد الصيني للدراسات الدولية، كي هونغ جيان، أوروبا إلى نبذ عقلية الحرب الباردة من أجل ترسيخ استقلال استراتيجي أوروبي حقيقي، لتمكين أوروبا من أن تصبح «إحدى القوى العديدة لنظام عالمي متعدد الأقطاب فى المستقبل».

ثانياً، تظل أوروبا شريكاً رئيسياً في دعم وتوجيه النمو في الصين. فقد كان المسار التنموي الاقتصادي تاريخياً، مدفوعاً في الأغلب بالاستثمار والتصدير. وكلاهما يدعم بدوره الفائض الضخم في حساب بكين مع الاتحاد الأوروبي، حيث ارتفع العجز التجاري الأوروبي من 129 مليار يورو في عام 2011، إلى 249 مليار يورو في عام 2021. لقد نجح هذا المسار تاريخياً بالنسبة إلى الصين، حيث تختار كبح الاستهلاك المحلي والديون لمصلحة نموذج نمو أكثر ضماناً.

أما الاعتبار الثالث فهو أكثر صلة بحسابات الصين الجيوسياسية على المديين، القصير والمتوسط. ذلك أن أوروبا تظل قوة موازنة ضد الولايات المتحدة، أو «المحور الأنجلو أمريكي» الذي نوقش كثيراً في العلاقات الدولية. وقد تشكل إجماع الحزبين في واشنطن منذ صعود الرئيس السابق، دونالد ترامب، على تصوير الصين على أنها منافسة للولايات المتحدة في المقام الأول، وتهديد لقيادة الولايات المتحدة في العالم. وقبل شهر من اندلاع الأزمة الأوكرانية، أشار مقال نشرته صحيفة الإندبندنت، إلى أن التوترات الصينية الأمريكية من المرجح أن تستمر، على الرغم من إمكانية الحفاظ على «سلام ساخن». وقد جعلت المشاحنات والمزاعم اللاذعة التي ظهرت في أعقاب شن الحرب على أوكرانيا، الانفراج في ديناميكيات بكين وواشنطن أمراً مستبعداً.

تحفيز أوروبا

وعلى هذا الصعيد، يركز الرئيس شي على أوروبا من خلال تصميم حواجز حماية أكثر صرامة وقوة، وتوضيح «المفاهيم الخاطئة» حول موقف الصين من أوكرانيا، بحيث يمكن تحفيز أوروبا على فصل نفسها عن الموقف الذي تتبناه الدول المتشددة في الناتو، ومعها الولايات المتحدة. وتراهن الصين على براغماتية الإدارة الألمانية، حيث إنها تسعى في ظل قيادة شولتز إلى تحقيق التوازن بين الضغوط المحلية لتصعيد وتوضيح دعمه للحكومة الأوكرانية، واعتبارات الطاقة المتعلقة بالغاز الروسي. وتأمل بكين أن يخفف اتساع نطاق العلاقات التجارية بينها وبين ألمانيا، وبينها وبين فرنسا، موجة الانتقادات الصاخبة ضد الصين في أوروبا.

إلا أن مواقف الجمهور الأوروبي تجاه الصين تزداد توتراً، حيث أشار استطلاع أجراه معهد أوروبا الوسطى للدراسات الآسيوية، إلى اتساع نطاق معاداة الصين. وأفاد المشاركون في 10 من أصل 13 دولة شملها الاستطلاع بأن الآراء السلبية أكثر بكثير من الآراء الإيجابية، حيث أظهرت شعوب كل من بريطانيا والسويد وفرنسا وألمانيا تدهوراً كبيراً في المواقف تجاه الصين بين عامي 2017 و 2020.

وفي الآونة الأخيرة، أدى الغضب تجاه اللامبالاة المزعومة من جانب الصين حول تصرفات روسيا في أوكرانيا إلى تضخيم الشكوك والمخاوف بشأن الدوافع الصينية، ودفع الكثيرين في أوروبا إلى التفكير صراحة في الاعتبارات الإيديولوجية المعيارية على المصالح الاقتصادية والتجارية الضيقة.

تحرك ثنائي

وإذا كان لا بد من تعديل المسار فمن المهم التركيز على تحرك ثنائي قد يكون على شكل دعوة والتزام برفع جميع العقوبات بشكل متبادل. وفي غياب مثل هذه التنازلات الجذرية والضرورية، سيظل من غير المحتمل إدخال تحسينات على العلاقات الثنائية.

ويدرك الجانبان أن إعادة ضبط العلاقات الصينية الأوروبية بشكل صحي ومثمر يظل في مصلحة الطرفين. وهناك الكثير الذي يمكن تحقيقه من تعميق التبادلات الاقتصادية والتجارية والمالية والبشرية بين بكين وبروكسل. ومع ذلك، في مواجهة مثل هذه المحن، يبقى إصلاح العلاقة جديراً بهذا العناء، من منظور جميع أصحاب المصلحة.

وسوف تبقى حرب أوكرانيا لحظة فاصلة في العلاقات الصينية الأوروبية. أما إذا تمكنت بكين وبروكسل من الوقوف في انسجام تام من أجل التوسط في وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة ما بعد الصراع في أوكرانيا، فقد يكون ممكناً تجاوز أزمة تنذر بسنوات عجاف.

https://tinyurl.com/yvnra89x

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"