عادي

تعرف إلى رائد الفلسفة الوجودية

19:55 مساء
قراءة 3 دقائق

القاهرة: «الخليج»

«إذا كنت قد أصبحت كاتباً فهذا الخطأ يرجع أساساً إلى أنني مصاب بالاكتئاب ولديّ أموال» توحي هذه الكلمة بروح السخرية التي تملأ كتابات كيركجورد كما توحي أيضاً بالجدية المؤلمة للموضوعات الفلسفية التي يتطرق إليها، فهو يعنى هنا بالفعل الكلام الذي يقوله، فكل فلسفته تدور حول ذاته المكتئبة.

كيركجورد – كما يؤكد د. أنور مغيث في تقديمه لكتاب فوزية أسعد «سورين كيركجورد أبو الوجودية» – يجعل من فلسفته تعقباً لأحواله النفسية والوجودية رافعاً إياها إلى مصافّ الحقائق المطلقة، وقد أتاحت له أمواله التي ورثها عن أبيه أن ينقطع للكتابة، فكان غزير الإنتاج؛ حيث تضم أعماله الكاملة أكثر من 20 ألف صفحة كتبها جميعاً في نحو 15 عاماً.

كان كيركجورد لا يعمل: «العمل المهني يجعل حياة الإنسان تسير على وتيرة واحدة، ويعوق عملية التحرر مما هو عام، ويعفيه من جهد أن يجدد نفسه بلا توقف، كما يفعل الإنسان الذي بلا مهنة» هذا الموقف جعل هناك انطباعاً، يسود عن فلسفة كيركجورد، وهو أنها تمثل «أيديولوجيا شخص محافظ غير عقلاني، أو دفاعاً مذعوراً لنزعة ذاتية تطهرية مبالغ فيها».

يرى د. مغيث أن عمل كيركجورد أصبح خاضعاً للعديد من ضروب سوء الفهم، أو الأحكام المتعجلة الجزئية، ولعل من أكثر الآراء شيوعاً، تصوير فلسفته على أنها عملية رد اعتبار للدين، بعد النقد الذي تعرض له من فلاسفة التنوير الألمان، ومع ذلك فإن الدين يحتل موقعاً جوهرياً في فلسفة كيركجورد، لكن ذلك لا يحولها إلى مجرد دفاع عنه.

لم يكن كيركجورد – كما يرى الكتاب – بالفيلسوف المحافظ، بل تبدو فلسفته نبعاً دائماً للتمرد، كانت تأملات حول حياته الخاصة، وكذلك كانت جميع كتبه، على اختلاف موضوعاتها، سواء وقعها باسمه صراحة أو بأسماء مستعارة، لقد قدم نموذجاً غير مسبوق في الاستبطان وسبر أغوار النفس، وتقوم فكرته على أن «الوجود هو الموضوع الوحيد الذي لا تقف علاقتنا به عند حدود المعرفة»، وتكمن معارضته لهيجل في أن فلسفة هيجل تسعى إلى حصر الوجود في إطار التصورات، في حين أن حياة الذات في مراحلها الثلاث، وهي الجمالي والأخلاقي والإيماني، تفلت دائماً من التصورات المعرفية.

هذه الثورة على فلسفة التصورات، هي التي جعلت للأدب موقعاً بالغ الأهمية في فلسفته، حيث إنه كان يتعامل مع نفسه على أنه أديب أكثر منه فيلسوفاً، ويتجلى الأدب في أعماله سواء في إبداعاته أم في أسلوب كتابته، أم في شتى الاقتباسات والإشارات إلى الأعمال الأدبية، بل إنه دشّن طريقة، لاقت انتشاراً كبيراً فيما بعد، وهي أن تطرح القضايا الفلسفية من خلال تحليل الفيلسوف لنصوص أدبية، كما هو الحال مع ديلوز وريكور ودريدا فيما بعد.

يرجع هذا الاحتفاء بالأدب إلى أن الأدب يقدم لنا مواقف للوجود، تستعصي على الطريقة التحليلية والصورة التقليدية الشائعة في الفلسفة، وكذلك من دواعي استخدام الأسلوب الأدبي لدى كيركجورد قدرة الأدب على التعبير عن الذاتية، كما يؤكد الأدب دائماً أن الحقيقة توجد دائماً خلف الخيال.

تؤكد د. فوزية أسعد أنه إذا قلنا عن كيركجورد أنه منشئ الفلسفة الوجودية، فلنعترف بأن هذا القول ينطوي على شيء من التعسف، ذلك لأن تاريخ الفلسفة – على اتصاله الوثيق – حافل بثورات فكرية، تضرب بجذورها في الماضي، وتفتح للمستقبل آفاقاً جديدة، وكيركجورد يمثل في تاريخ الفكر إحدى هذه الثورات، فهو قد تأثر بماضي الفلسفة، لكنه ثار عليها، ثار على الرومانسيين، كما ثار على هيجل.

https://tinyurl.com/2urywksh

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"