عادي

ليبيا.. متغيرات وأدوار متعددة

23:53 مساء
قراءة 4 دقائق
أحد حقول النفط الليبية

د. محمد فراج أبو النور

بالرغم من استمرار حالة الانقسام بين شرق ليبيا وغربها، ووجود حكومتي فتحي الباشاغا والدبيبة، فإن هناك تطورات لافتة للنظر على المشهد السياسي والعسكري الليبي، وامتداداته الخارجية، خلال الشهور الأخيرة، وبصفة خاصة مع انتهاء أجل «خريطة الطريق» الأممية، وانتهاء ولاية حكومة الدبيبة، وبصفة أخص خلال الأسابيع الأخيرة.

على المستوى الليبي الداخلي لا يمكن تجاهل تزحزح مواقف البرلمان الليبي وقيادته «الشرق» تجاه الاستجابة لشروط المجلس الأعلى للدولة بقيادة «خالد المشري» وإعطاء «الأعلى» حقوق مساوية لحق المجلس النيابي المنتخب تمكنه من استخدام «الفيتو» سواء في تشكيل الحكومة أو تعيين المناصب السيادية، أو إقرار «القاعدة الدستورية» لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وبالرغم من ذلك تستمر مراوغة «المجلس الأعلى» في الاعتراف الواضح بحكومة الباشاغا- التي شارك في منحها الثقة. بل ويصر في مشاورات القاهرة بين الطرفين على بحث تشكيل حكومة مصغرة من عشرة وزراء تكون مهمتها الإعداد للانتخابات، التي لم يتم التوصل لإقرار القاعدة الدستورية لإرجائها. كما تستمر مراوغة «الأعلى» في إقرار الترشيحات لتولي المناصب السيادية وفي مقدمتها محافظ المصرف المركزي ورئيس ديوان المحاسبة، ورئيس المحكمة العليا، والنائب العام

المظلة التركية

أما التطور الأكثر أهمية الذي طرأ على المشهد الليبي خلال الأسابيع الأخيرة فهو زيارة عقيلة صالح «رئيس البرلمان» إلى تركيا في بداية هذا الشهر بدعوة رسمية- وللمرة الأولى- واجتماعه هو والمشري بالرئيس التركي أردوغان لبحث الأوضاع السياسية في ليبيا وسبل التوصل إلى تسوية سياسية. وهو تطور يجيء بعد سنوات طويلة من العداء بين أنقرة وبنغازي، ويشير إلى تنامي النفوذ التركي في ليبيا، بعد أن كان هذا النفوذ محصوراً في المنطقة الغربية وحدها وهو النفوذ الذي تجسده اتفاقيتا التعاون العسكري، وترسيم الحدود البحرية المعقودتان مع حكومة السراج (نوفمبر 2019) واللتان كانت بنغازي ترفضهما، كما ترفض وجود القواعد العسكرية البحرية والجوية التركية في المنطقة الغربية.

أردوغان أعرب عن اهتمام تركيا بالاستقرار في ليبيا، بينما أعلن عقيلة صالح أنه طلب من أردوغان مساعدة تركيا في حماية وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وأن «عقيلة» سيعمل على إعادة العلاقات الثنائية بين البلدين إلى أعلى مستوى من جديد، وتعهد بأن تلعب الشركات التركية دوراً مهماً في إعادة إعمار ليبيا.

ولا شك في أن هذا تطور جديد ولافت للنظر بشدة في موقف قيادة البرلمان الليبي تجاه القوى الإقليمية.. وهو تطور يفسح المجال لتركيا للقيام بدور أكبر وممارسة نفوذ أوسع على الساحة الليبية، بما في ذلك القيام بجهود «الوساطة» بين الطرفين على أساس شروط لم تكن موجودة من قبل.. ولا شك أيضاً في أن هذا التطور الجديد في موقف عقيلة صالح يرتبط بالتطورات الجديدة في السياسة الخارجية التركية تجاه عدد من الدول العربية، والتقارب الذي تشهده علاقات هذه الدول مع تركيا.

الموقف الأمريكي

هذا التطور المهم في موقف قيادة البرلمان الليبي «الشرق» وفي تصاعد النفوذ التركي لا يمكن أن يكون بعيداً عن ضوء أخضر أمريكي وغربي يرتبط بصورة خاصة بالحرب في أوكرانيا، والمواجهة الأمريكية- الغربية الشاملة مع روسيا والعقوبات ضدها، خاصة بالحاجة الغربية الماسة لإيجاد بدائل لموارد الطاقة الروسية «النفط والغاز» التي تسعى أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي لحظر استيرادها من أجل حرمان روسيا من عائداتها الضخمة.. والتي تواجه مصاعب كبيرة في توفير بدائلها.

هنا تبرز أهمية النفط والغاز الليبيين (1.2 مليون برميل/ يومياً من النفط، بالإضافة إلى خط أنابيب غاز طاقته عشرة مليارات م3 سنوياً يصل إلى إيطاليا).. وصحيح أن هذه الكميات تعتبر صغيرة نسبياً بالقياس إلى احتياجات أوروبا.. كما أن ضخ النفط الليبي يتعرض لمشكلات الإغلاق بصورة متكررة.. وإنتاج الغاز لا يصل إلى الطاقة القصوى لخط الأنابيب، إلا أن الميزة المهمة للنفط والغاز الليبيين هما قربهما الشديد من الأسواق الأوروبية، كما أن توظيف استثمارات معقولة فيهما يمكن أن يزيد إنتاجهما خلال سنوات قليلة.

غير أن هذا يتطلب توفير الاستقرار في ليبيا، ووضع حد لحالات الإغلاق المتكرر، التي تهبط بالصادرات لأقل من النصف، وهو ما يستدعي وقف الصراعات المسلحة من ناحية، وتوفير آليات مقبولة لمختلف الأطراف لاقتسام العوائد النفطية مما يمنع اللجوء لإغلاق الحقول كوسيلة للضغط من ناحية أخرى.

وهذا الهدف أهم بكثير بالنسبة للغرب من قصة الصراع بين حكومتي الباشاغا والدبيبة، أو إجراء الانتخابات التي لا يكف الساسة الغربيون عن الحديث حول ضرورة إجرائها.. أو خروج القوات الأجنبية والمرتزقة وحل الميليشيات.. ومعروف أن السفير الأمريكي نورلاند، والمستشارة الأممية ستيفاني ويليامز قد تحدثا بوضوح تام أكثر من مرة أنهما ليسا مهتمين ب«المفاضلة بين حكومتي الباشاغا والدبيبة» وعن أن خروج المرتزقة وحل الميليشيات «ليس شرطاً لإجراء الانتخابات» بغض النظر عن «خريطة الطريق» والقرارات الدولية، وعن مدى الاطمئنان لديمقراطية ونزاهة هذه الانتخابات. فالمهم هنا هو تحقيق الاستقرار الذي يؤمن ضخ النفط والغاز، وتوفير جزء من البدائل المطلوبة لموارد الطاقة الروسية.. والدور التركي هنا يبدو مناسباً تماماً، فتركيا لديها قوات وقواعد في الغرب الليبي، ولديها علاقات ممتازة مع مختلف السياسيين وفصائل الميليشيات في «الغرب». وإذا أصبح لديها علاقات جيدة مع «الشرق» أيضاً فإن النتيجة ستكون ممتازة.

التخلص من «فاجنر»

من ناحية أخرى فإن الوجود العسكري التركي القوي في ليبيا، وتعزيز العلاقات بين بنغازي وأنقرة، يضع مصاعب جديدة أمام قوات «فاجنر» الروسية الموجودة في شرق البلاد وجنوبها، بل ويمكن أن يتيح فرصة لطردها.. وهو أمر مطلوب بشدة من جانب الولايات المتحدة نظراً لأهمية ليبيا الاستراتيجية الكبرى في قلب البحر المتوسط، وخاصة في ظل الاستقطاب المتصاعد في العلاقات الدولية.. كما أنه يضعف الوجود الروسي المتنامي في دول الساحل والصحراء- وخاصة في مالي- وهو الوجود الذي يسبب قلقاً شديداً لأمريكا وفرنسا وغيرها من الدول الغربية.

أما المفاوضات حول «القاعدة الدستورية» والانتخابات وتقاسم المناصب والمغانم فيمكن أن تستمر طويلاً بين الساسة الليبيين في الشرق والغرب.. وبالمناسبة فإن رأي المسؤولين الغربيين سلبي.. وقد عبرت ستيفاني ويليامز عن هذا الرأي بعبارة بالغة القسوة، من أخفّها وطأة أنهم مهتمون بمصالحهم الخاصة وليس بمصالح وطنهم، ولذلك فإن التسوية الليبية لا تبدو قريبة.

https://tinyurl.com/2y46bpe5

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"