درس «حجارة الجوع»

00:51 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

تعتبر المجاعات أقسى ما اختزنته الذاكرة البشرية من أحداث، ولقد أولى كثير من المؤرخين، المجاعات الكبرى والجفاف، أهمية قصوى وعالجها الأدباء والفنانون بأساليب وطرائق شتى، ومؤخراً كشف انحسار مياه الأنهار في عدة بلدان أوروبية عما أطلق عليه «حجارة الجوع»، وهي حجارة دوّن عليها البعض منذ قرون، عبارات تحذر من الجفاف وانخفاض المياه، بعض هذه الحجارة يعود إلى أعوام 1417 و1616 و1707، وتضمنت العبارات على تلك الحجارة جُملاً من قبيل «ستزدهر الحياة مرة أخرى بمجرد اختفاء هذا الحجر»، و«الشخص الذي رآني ذات مرة بكى، ومن يراني الآن سيبكي».

أدبيات الجوع كثيرة، لعل من أبرزها في ثقافتنا «إغاثة الأمة بكشف الغمة» لتقي الدين المقريزي (1364-1442)، في ذلك الكتاب يرصد مؤلفنا المجاعات التي مرت بمصر، ولعل أشهرها ما عرف ب«الشدة المستنصرية» نسبة للخليفة الفاطمي المستنصر بالله، حيث شح الطعام وارتفعت الأسعار، وتناول الناس القطط والكلاب وغيرها من أحداث مأساوية استمرت لمدة سبع سنوات، ولكن اللافت في عمل المقريزي هو تلك الرؤية التي تبحث في أسباب المجاعات، وكأنه يتحدث عن أيامنا، فالمجاعات تنتج عن الجفاف وشح الأمطار وسوء إدارة المياه، والتصرف فيها، وغياب التخطيط للمستقبل، وفساد طبقة تتلاعب بأسعار السلع في الأزمات، وكلها أسباب رأيناها في مجاعات القرن العشرين.

منذ عدة عقود اعتقد البعض أن البشرية نأت بنفسها عن المجاعات، وهذا صحيح نوعاً ما، في ما يتعلق بالمجاعات الكبرى التي اختفت بالفعل، ولكن هناك الجوع الخفي الناتج عن الفقر وسوء التغذية. ففي عام 2004 قالت إحدى الإحصائيات الدولية، إن الجوع الناتج عن الجفاف والقحط.. يقتل شخصاً كل ثانية، ما يعني ملايين الأشخاص في العالم سنوياً، ويمثل 58% من مجموع الوفيات كل عام، وهي نسب تتفوق على الحروب والأوبئة الكبرى.

ولكن ماذا عن المستقبل؟، هل يختفي الجوع نتيجة للمشروعات العلمية الواعدة التي يصدّع بها البعض رؤوسنا بين حين وآخر، فضلاً عن أحاديث تتناول فوائد حبوب تغني عن الطعام واقتراحات بأكل الحشرات، بسبب نسب البروتين المرتفعة فيها، وانخفاض الأضرار الناجمة عن تربيتها؟.

في الماضي القريب بشّرنا علماء التغير المناخي بأنه إذا استمرت الأحوال، كما هي عليه، وتزايدت درجة حرارة الأرض، ستغرق معظم الأراضي الخصبة والنهرية في العالم النامي والمتخلف، وستتأسس «فاشية مناخية» في أكبر الديمقراطيات الغربية التي ستضطر في النهاية إلى منع ملايين الجوعى من دخول أراضيها بوسائل شتى، بداية بالجدران العظيمة، مروراً بوسائل إبادة تستخدم فيها أشد الأسلحة فتكاً، ولكن هل يواصل التاريخ مكره؟، فها هو الجفاف يصل إلى الدول المتقدمة. 

تقول الإحصائيات إن الجفاف يؤثّر الآن في أكثر من 60% من أوروبا، ويحفر مأساته على «حجارة الجوع»، وعلينا  من جهة أخرى  ألا ننسى درس الماضي، فكل الجوعى كانوا أكثر تخلفاً وأضعف بما لا يقارن، ومع ضغط الجوع اضطروا إلى الهجرة ومهاجمة الحضارات الكبرى وتدميرها.

https://tinyurl.com/3653m8n2

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"