المرأة والقيادة في أوروبا

تمثيل ناقص في المؤسسات
23:22 مساء
ترجمة وعرض:
عبدالله ميزر
قراءة 8 دقائق
1
1
1

عن المؤلف

الصورة
3
هنرييت مولر وإنجبورج توميل
* هنرييت مولر، أستاذة مساعدة في النوع الاجتماعي والحوكمة والمجتمع، تحاضر في جامعة نيويورك أبوظبي.
** إنجبورج توميل أستاذة فخرية في السياسة الدولية ورئيسة كرسي جان مونيه في السياسة الأوروبية بجامعة أوسنابروك (ألمانيا).

تشهد المناصب القيادية في الاتحاد الأوروبي تمثيلاً ضعيفاً للنساء، رغم وجود قياديات، مثل أنجيلا ميركل، وفيديريكا موغريني، وكاثرين آشتون، إلا أن هناك نقصاً فعلياً على مستوى الاتحاد. ويسلط كتاب «المرأة والقيادة في أوروبا» الضوء على القيادة النسائية والعقبات المحددة التي تواجهها المرأة في طريقها إلى القيادة، وعند ممارستها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

يشتمل الكتاب على مجموعة مفصلة من دراسات الحالة الفردية والمقارنة، وتحليل تمثيل المرأة وأدائها في مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأساسية ومساراتها الفردية وممارستها للسلطة في وظائف المستوى الأعلى، فضلاً عن التحليلات المقارنة في ما يتعلق بموقف وسلوك المرأة.

 ويستخلص العمل استنتاجات شاملة حول القيادة النسائية في الاتحاد الأوروبي، ويرى أنه لا تزال المرأة ممثلة تمثيلاً ناقصاً في المناصب القيادية، ويجد أن العقبات الهيكلية المتعددة تعيق وصولها إلى السلطة. علاوة على ذلك، توجد اختلافات كبيرة عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، حيث يصعب الوصول إلى الهيئات الحكومية الدولية. وفي ما يتعلق بالقيادة السلوكية، تؤدي النساء اللائي يشغلن مناصب قوية في الاتحاد الأوروبي أداء ممتازاً بشكل عام، إذ يمارسن بنجاح أسلوب قيادة مشتركاً يدمج سمات القيادة التي تعتبر «ذكورية» و«أنثوية». هذا لا يعني القول بأن النساء في حد ذواتهن هن القادة الأفضل، لكن تميل ممارساتهن السائدة المتمثلة في أسلوب القيادة المشترك إلى تلبية متطلبات الأنظمة الديمقراطية الحديثة بشكل أفضل، ولا سيما متطلبات الاتحاد الأوروبي.

 تقول المؤلفتان هنرييت مولر وإنجبورج توميل: «في عام 2019، ولدهشة الكثيرين، رشح المجلس الأوروبي امرأتين في منصبين من أعلى المناصب في الاتحاد الأوروبي، أورسولا فون دير لاين لمنصب رئيس المفوضية، وكريستين لاغارد لرئاسة البنك المركزي الأوروبي. وإضافة إلى ذلك، كانت لورا كودروتا كوفيسي أول مدعية عامة لمكافحة الاحتيال في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن زيادة النساء في الصفوف الأولى في الاتحاد، سواء في السياسة، أو الإدارة، أو الخبرات الأخرى، لا يمكن أن تحجب حقيقة أن المساواة بين الجنسين لم تتحقق، وأن تمثيل المرأة في المؤسسات الأوروبية لا يزال دون المستوى المطلوب. في الوقت نفسه، لا تزال المسارات والظروف التي بموجبها يحصلن على مناصب قيادية نادرة بشكل ملحوظ»، وتتساءل المؤلفتان: «من هن القيادات النسائية في المؤسسات الأوروبية في الماضي والحاضر؟ ما هي الفرص والتحديات المحددة التي واجهتها المرأة في الوصول إلى المناصب العليا في الاتحاد الأوروبي؟ كيف تمارس المرأة القيادة في الاتحاد، وبأي تأثير؟ إلى أي مدى، إن وجد، تمارس النساء أساليب قيادية مختلفة عن الرجال في مؤسسات الاتحاد الأوروبي؟

مناصب رفيعة 

يدرس الكتاب القيادات النسائية بدقة لأول مرة عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، سواء في مساراتهن إلى مناصب رفيعة المستوى، أو في ممارستهن للقيادة، ويدمج ثلاثة مسارات متميزة ظلت منفصلة حتى الآن: دراسات الاتحاد الأوروبي، ودراسات القيادة، ودراسات النوع الاجتماعي.

 ويقدم الكتاب أولاً لمحة عامة عن تاريخ وتطور القيادات النسائية في المؤسسات الأوروبية، مشيراً إلى استمرار نقص تمثيل المرأة في المناصب القيادية في الاتحاد الأوروبي. ثانياً، يلقي الضوء على الإطار التحليلي الذي يوحد الفصول الستة عشر من هذا العمل. وتعلق المؤلفتان هنا بالقول: «في مؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى العابرة للحدود الوطنية، ومحكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الأوروبي، كان تمثيل المرأة في المناصب العليا أكثر نقصاً. وفي عام 1981، أصبحت المحامية الفرنسية سيمون روزيس لودفيغ أول قاضية في المحكمة، ولكن لم يتبعها المزيد من النساء حتى عام 1999. وازدادت نسبة القاضيات والمحاميات العامّات بشكل بطيء، على مر السنين، وهي بالكاد تتجاوز 18%. وسجل البنك المركزي الأوروبي أسوأ من سجل محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، فلا يزال من النادر رؤية الإناث ضمن كبار المديرين، ما يعني أنه بصرف النظر عن الرئيسة الحالية، كريستين لاغارد، لم يكن هناك في كثير من الأحيان أي ممثلات في أعلى هيئات صنع القرار في البنك والمجلس التنفيذي ومجلس الإدارة».

وتضيفان: «بالانتقال إلى المؤسسات الحكومية الدولية، فإن المجلس الأوروبي (قمة لرؤساء الدول ورؤساء حكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي)، ومجلس الوزراء الأوروبي (رسمياً اسمه مجلس الاتحاد الأوروبي)، هما أقل المؤسسات توازناً بين الجنسين، حيث يتكون المجلس الأوروبي من وفود الدول الأعضاء وتمثيل المرأة في السياسات البيئية السابقة منخفض في العديد من دول الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال، في عام 2019، كان لدى فنلندا مجلس وزراء يضم 58% من النساء، وحصلت إسبانيا والسويد على نحو 50% من التمثيل، في حين أن مالطا (9%) واليونان (10%)، وإستونيا (13%)، والمجر (14%). في حين لم يكن لدى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أكثر من أربع نساء كرئيسات حكومات في الوقت نفسه. وكانت مارغريت تاتشر أول رئيس في المكتب للرئاسة الدورية للمجلس في عامي 1981 و1986، تبعتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في عامي 2007 و2020. في المجموع، ثماني نساء فقط (إذا احتسبنا تاتشر وميركل مرتين) مقابل ترؤس 136 من الرجال للمجلس (1958-2021). وكانت كاثرين أشتون (2009-2014)، وفيديريكا موغيريني (2014-2019) أول امرأتين يتم ترشيحهما من قبل المجلس الأوروبي في أحد المناصب التنفيذية السياسية رفيعة المستوى في الاتحاد الأوروبي، وهو الممثل الأعلى لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي».

 وتؤكد المؤلفتان أن «تمثيل المرأة في المناصب القيادية في الاتحاد الأوروبي تحسّن بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، لكن لا تزال موزعة بشكل غير متساو عبر مؤسسات الاتحاد. ولا تزال هناك اختلافات كبيرة بين الدول الأعضاء، مع وجود عدد قليل من المتسابقين الأوائل، خاصة الدول الاسكندنافية، ما يعوض إلى حد ما التمثيل المنخفض للإناث بين العديد من المتخلفين. وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي يضع عقبات أمام النساء اللواتي يطمحن إلى القيادة فحسب، بل يقدم أيضاً فرصاً متميزة خلال ظروف محددة. على سبيل المثال، نظراً للتنافس الأقل حدة تاريخياً على المقاعد في البرلمان الأوروبي، دخلت النساء في هذا الحقل بأعداد كبيرة قبل أن يقمن بعمل المجالس التشريعية في معظم الدول الأعضاء».

العقبات القيادية 

تظهر في العمل أسئلة حول ما إذا كانت نوافذ الفرص قصيرة المدى، أو إلى أي مدى هي نقاط انطلاق لتحولات هيكلية دائمة. وينطبق الشيء نفسه على مجموعة متنوعة من العوامل التي تعيق وصول المرأة إلى المكاتب رفيعة المستوى في الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال: «ما هو الدور الذي يلعبه استمرار أنظمة النوع الاجتماعي التقليدية في الدول الأعضاء في التقدم الوظيفي للمرأة؟ إلى أي مدى تختلف المسارات الوظيفية للمرأة بين المناصب الإدارية العليا والوظائف المرتبطة بالخبرات مقارنة بالمناصب السياسية؟ والأهم من ذلك، ما هو الدور الذي لا تزال تلعبه القوالب النمطية الجنسانية في سياق القيادة في الاتحاد الأوروبي؟»

تكشف الفصول عن رؤى عميقة حول التحديات والقيود المؤسسية والظرفية التي تواجهها النساء في طريقهن إلى المناصب العليا، وعند ممارسة القيادة بمجرد وصولهن. في الوقت نفسه، تُظهر الفرص المؤسسية والظرفية التي تمكن النساء من الصعود إلى الاتحاد الأوروبي وممارسته، والقدرات الشخصية ذات الأهمية القصوى لاغتنام هذه الفرص والأداء بنجاح في مناصب السلطة.

 يبدأ الجزء الأول بفصلين يهدفان إلى تطوير الإطار التصوري العام لدراسة القيادة النسائية، وفهم نظري أعمق لدور المرأة في السياق الأوروبي. وتستكشف المؤلفتان العقبات المتعددة التي تواجهها النساء في طريقهن إلى السلطة، وعندما يكنّ في السلطة، ويميزن بشكل تحليلي بين القيادة الموضعية والسلوكية، وكذلك القيادة السياسية والإدارية والعملياتية. وتوضح المؤلفتان أن هذه الفروق ضرورية لفهم العقبات المختلفة، ولكن أيضاً الفرص التي تواجهها المرأة في طريقها إلى مكاتب الاتحاد الأوروبي رفيعة المستوى.

 ويظهر أحد المساهمين في الجزء الثاني من الكتاب، وهو هارتلاب وبلوم، أن وصول المرأة إلى المناصب القيادية السياسية والإدارية في المفوضية الأوروبية حدث متأخراً وببطء؛ في الآونة الأخيرة فقط، وما زالت هناك عقبات. ويوضح أنه «غالباً ما تتحمل القيادات النسائية مسؤولية إعادة رعاية الحقائب التي تعتبر «ناعمة» أو «أقل شهرة»، على الرغم من أن هذا يتغير ببطء أيضاً». وتقول المؤلفتان: «تواجه النساء عقبات كبيرة في الصعود إلى مناصب قيادية في البرلمان الأوروبي، مثل رئيس المفوضية، أو قائد المجموعة، أو الرئيس/ نائب الرئيس». وتستنتجان أن التحيزات والعوامل الهيكلية المستمرة تعيق وصول المرأة إلى المناصب المؤثرة في البرلمان الأوروبي.

 ويتناول الجزء الثالث من الكتاب جوانب مختلفة من السلوك القيادي في المفوضية والبرلمان الأوروبي. ويقدم دراسة حالة شاملة لأداء فيفيان أديلايد ريدينغ، وهي سياسية لوكسمبورغية من حزب الشعب المسيحي الاجتماعي، شغلت مناصب: المفوضة الأوروبية للثقافة والتعليم والشباب من سنة 1999 حتى سنة 2004، وسبق لها شغل منصب المفوضة الأوروبية للعدل والحقوق والمواطنة من سنة 2010 إلى سنة 2014. وتركز المؤلفتان على الكيفية التي تتطلب بها المؤسسات المختلفة أنماطاً مختلفة من القيادة. فريدينغ على سبيل المثال، حققت نجاحات ملحوظة بسبب أسلوب قيادتها المستقل والحازم. ومع ذلك، أثار هذا الأسلوب الكثير من الجدل ويخلصان إلى أن القيادة الاستباقية لريدينغ تتلاءم جيداً مع دور المفوضية في اقتراح السياسات، ولكنها أقل ملاءمة مع البرلمان الأوروبي، حيث تكون القيادة الجماعية مطلوبة.

 ويقارن المساهمان أماديو فاسيري وتيركوفيتش، بين قيادة كاثرين أشتون، وفيديريكا موغيريني، في المنصب، حيث يجدان أن موغيريني كانت أكثر نجاحاً من أشتون. ويشير أداء موغيريني إلى أن توقع تفضيلات الدول الأعضاء بشكل استباقي واكتساب الدعم من جماهير مختلفة يخلق نفوذاً في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. وتضيف الفصول الأخرى زاوية مقارنة بين الجنسين لدراسة القيادة، من خلال دراسة خطاب نائبات رئيس المفوضية الأوروبية، ويقارنهن بجميع المفوضين الآخرين (ذكوراً وإناثاً) ونواب الرؤساء والرؤساء الذكور بين عامي 1999 و2019.. ويؤكد الفصل أن المتحدثات، على الرغم من تنوعهن الشديد، يتأثرن بتوقعات متناقضة من الناحية الاجتماعية والثقافية والتي يبدو أنها تلزمهن أكثر من الرجال بالانخراط في أشكال مهارة عالية في صناعة الكلام.

مستقبل القيادة النسائية

يلفت الجزء الرابع من الكتاب الانتباه إلى المستوى الوطني، حيث يدرس القيادة السياسية والسلوكية للمرأة في مناصب رئاسة الوزراء وآثارها في سياسة الاتحاد الأوروبي وحوكمته. ويدرس المساهمان في هذا الجزء، الكاتبان فان إيش وإيراسمي، إدارة أزمة المستشارة الألمانية انجيلا ميركل خلال أزمتين أثّرتا في الاتحاد الأوروبي: أزمتا اللاجئين وكورونا. ويوضح الفصل الاختلافات الذهنية الأساسية في أداء ميركل. فأثناء وجودها في أزمة اللاجئين، تصرفت من جانب واحد وفقدت رأس المال القيادي، وخلال أزمة كورونا، عززت التضامن والتعاون عبر الاتحاد الأوروبي. وأدى ذلك إلى زيادة رأس مالها القيادي، ويظهر أن العمل لمصلحة الاتحاد الأوروبي ككل، لا يعني بالضرورة فقدان الدعم السياسي محلياً.

 يتطرق الكتاب أيضاً إلى شخصيات نسائية أخرى مثل رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي وكيفية تنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وكاثرين داي بصفتها الأمينة العامة للمفوضية الأوروبية، واستراتيجياتها في إصلاح عملية صنع القرار، وتشكيل الأجندة السياسية، والتعاون الوثيق مع الرئيس، والتوسط في الأوضاع داخل المؤسسات وبين المؤسسات.

 وينظر الجزء السابع من الكتاب في مستقبل القيادة النسائية في الاتحاد الأوروبي، ويرى أنه على الرغم من القيود المؤسسية والظروف الظرفية الهائلة التي أحدثتها أزمة كورونا، نجحت فون دير لاين، في توسيع دور المفوضية الأوروبية والاتحاد ككل في اتجاهات سياسية جديدة. وتعلق المؤلفتان: «تتيح لنا النتائج الغنية للفصول الفردية استخلاص استنتاجات بعيدة المدى حول المرأة والقيادة في الاتحاد الأوروبي، والتي بدورها قد تلهم البحث في المستقبل».

 ويشير الكتاب إلى أننا نشهد حقبة من التشكل العميق لسياق القيادة الأوروبية. ويبدو أن النساء يتكيفن مع متطلبات القيادة المتغيرة وتلبيها بسرعة أكبر من الرجال. وفي الوقت الذي تختلف فيه احتياجات كل بلد، فمن الواضح أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى قيادة تسعى إلى الإجماع والوفاء بالوعد. ويتضح أن أسلوب القيادة المشترك يحظى بالنجاح جيداً عبر مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وأنه حان الوقت لتصور شكل القيادة وتحليلها لتجاوز الانقسامات الضيقة بين الجنسين وفتح أبواب جديدة للبحث الشامل في الاتحاد الأوروبي وخارجه.

عن المترجم

عبدالله ميزر
https://tinyurl.com/ycknfj4s

كتب مشابهة

1
فيفيك شيبر
1
نيل ديفيدسون وجيمس فولي وبن راي
1
جاريد كوشنر
2
كارولا ديتز

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

المزيد من الكتب والكتاب

1
جرايسي ماي برادلي ولوك دي نورونها
1
أندرو موناغان
1
إيفا راسك كنودسن وأولا راهبيك
2
ميشيل مودي آدامز
2
كريستوفر كلاري
4
بولي باليستر ويلكينز
1
جوناثان دارلينج
1
ماريوس بوسماير، أكيم كيميرلنغ، كيس فان كيرسبرجن، وبول ماركس