القاهرة - «الخليج»
يعد المفكر الألماني «باول فيرآبند» ظاهرة غريبة من نوعها، ذلك أنه الغربي الوحيد الذي يوجه انتقاداً لاذعاً للحضارة الغربية على موقفها من الثقافات الأخرى، صحيح أننا صادفنا ذلك من قبل العديد من الغربيين، من المؤرخين أو فلاسفة الحضارة، إلا أن فيرآبند يعد أول فيلسوف علم يوجه انتقاده للحضارة الغربية، وبيده سلاح خطير طالما استخدمه الغرب لإثبات تفوقه الحضاري على الشعوب الأخرى، ألا وهو سلاح العلم.
يشير هذا الكتاب وعنوانه «العلم في مجتمع حر» لباول فيرآبند (ترجمه إلى العربية السيد نفادي) إلى أن العلم لعب دوراً كبيراً في بداية العصر الحديث، في انتشال أوروبا من براثن تخلف العصور الوسطى، التي سميت بعصور الظلام، ومن ثم في قيادة العالم وغزوه عسكرياً وثقافياً، فقد انتصر العلم الحديث على عناصر الثقافة الغربية القديمة والوسيطة، وبلغ أوج تطوره عندما أمكن تطبيق نظرياته عملياً في التوسع الصناعي، فشهد العالم ما يسمى الثورة الصناعية، التي استطاعت لأول مرة في التاريخ، أن تراكم الإنتاج، ما استلزم تصريفه، فبدأ عصر الاستعمار الغربي الذي يحمل – بجانب العتاد الحربي المتقدم – أخطر سلاح، هو سلاح العلم.
من هو «باول فيرآبند»؟ وما أفكاره التي انتقد بها الحضارة الغربية المعاصرة؟ كان باول فيرآبند (1924 – 1994) مقيماً في فيمار بزمالة دولة في معهد التجديد المنهجي للمسرح الألماني، بعد الحرب العالمية الثانية، وكان يمثل مثلما يفعل أصحاب فرقة بريخت، وبعد التمثيل اعتاد المشاهدون أن يناقشوا ما شاهدوه، وبعد عام في فيمار أصبح فيرآبند طالباً للتاريخ في فيينا، غير أنه درس أيضاً الفيزياء والفلك، وواظب على محاضرات الفلسفة، وصار عضواً مؤسساً لنادي الفلسفة، تحت قيادة فيكتور كرافت، العضو السابق لدائرة فيينا أو جماعة فيينا التي ضمت العديد من العلماء والفلاسفة الذين أطلقوا على مدرستهم فيما بعد اسم «الوضعية المنطقية أو التجريبية المنطقية».
دائرة كرافت
وعقدت دائرة كرافت اجتماعات في العديد من الأماكن، وهناك تعرف فيرآبند إلى العديد من الطلاب النابغين والفنانين المشهورين والسياسيين البارزين، وتأثر بهم، كما قابل في فيينا الفيزيائي المنشق على كل من الفيزياء الكلاسيكية النيوتونية، وفيزياء القرن العشرين معا، (خصوصاً نظرية الكم لماكس بلانك والنظرية النسبية الخاصة والعامة لأينشتاين) ألا وهو فيلكس إيرنهافت، وتأثر بطريقته في اتخاذ مواقف متطرفة.
بجانب هذه الاتصالات تقابل مع الفيلسوفة البريطانية إليزابيث أنزكومب التي كانت قد حضرت إلى فيينا لتتعلم الألمانية كي يتسنى لها ترجمة فتجنشتين وتأثر بها، وناقش معها أفكار فتجنشتين وأضحى مقتنعا بأنه ينبغي أن تتغير مبادئ معينة، من عصر لآخر، أو من دورة لأخرى، وأن هذه المبادئ تختلف جوهريا، بالنسبة إلى لغات وثقافات متباينة.
التقى فيرآبند مع كارل بوبر في عام 1948 وتأثر ببعض أفكاره، إلا أنه كان يعتبرها غير أصيلة، وفي الخمسينات عرض عليه أن يعمل مساعداً له، إلا أن الأخير رفض بشدة على الرغم من أنه كان يمر بضائقة مالية، لكن شرودنجر الفيزيائي المعروف وأحد أعلام نظرية الكم، استطاع أن يوفر له عملا، فعمل محاضرا في فلسفة العلم.
ومنذ عام 1958 شغل كرسي الفلسفة في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، وأسند إليه إنجاز سياسات التعليم بالولاية، بعد أن سمح للطلاب الملونين بدخول الجامعة، وكان لذلك أثره الكبير في أفكاره المعارضة لهيمنة ثقافة الرجل الأبيض على ثقافات الشعوب الأخرى، وفي الستينات أصبح وبطريقة لم يكن ممكنا تجنبها، مقبوضا عليه في حركة احتجاج ببيركلي، وأضحى متهما بما سمي«المجتمع البديل».
ضد المنهج
في إنجلترا اقترب من لاكاتوش ودخل معه في جدل عقلي طويل، فيما يتعلق بعقلانية لاكاتوش وفوضوية فيرآبند، غير أن لاكاتوش توفي فجأة إثر حادث سيارة، فكان لذلك أثره السيئ عليه، وكانت حصيلة مناقشاته معه كتابه الشهير«ضد المنهج».
حين بدأ في كتابته قال إنه مشغول بمشروع فوضوي، تحت قناعة بأن«الفوضوية، على الرغم من أنها قد لا تعد فلسفة سياسية جذابة، إلا أنها بالتأكيد دواء ناجح لفلسفة العلم».
يناقش فيرآبند في الكتاب مسألة عدم وجود منهج مميز للبحث العلمي، لأن ثمة مناهج مختلفة ومتنوعة، بما لا حصر له، وكل منها محاولة ذات قيمة، وعليه فإن فيرآبند يرسم صورة لا عقلانية للعلم ينكر فيها أن يكون هناك منهج علمي وموضوعي على الإطلاق، ويترتب على اللاعقلانية والتعددية نتائج علمية واجتماعية شديدة الخطورة، لذلك نراه يعلن المبدأ الشهير«كل شيء على ما يرام» ويذهب إلى أن«هذا المبدأ هو الوحيد الذي لا يكبح تقدم العلم، غير أنه ليس المبدأ الوحيد لمنهجية جديدة، أوصي بها وإنما هو الوسيلة الوحيدة لفهم التاريخ».