إيديولوجيا الفضاء الإلكتروني

00:08 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

يذهب الصحفي الفرنسي برونو باتينو في كتابه «حضارة السمكة الحمراء» إلى أن قدرة الأجيال الجديدة على التركيز في أي موضوع، وبسبب التعرض المفرط لشبكة الإنترنت ومواقع التواصل، لا تتجاوز تسع ثوانٍ، هي أجيال تشبه أسماك الزينة والتي تدوم ذاكرتها لثماني ثوانٍ. لا يتوقف برونو عند هذا النقد وحسب، لكنه يطلق على اقتصاديات الشركات الكبرى المتحكمة في الشبكة وتوابعها مصطلح «الرأسمالية الرقمية المتوحشة»، ويطالب بإحياء بيان كان قد صدر منذ عقدين لإعلان استقلال الفضاء السيبراني، ليكون العالم الافتراضي بعيداً عن هيمنة الحكومات والتكتلات الاقتصادية العملاقة، ليتشارك البشر ذلك الفضاء بمنتهى الحرية.

لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات تسهل لنا التواصل أو الحصول على المعلومات في طرفة عين، لكنها تحولت عبر الإنترنت إلى أيديولوجيا متكاملة المفاصل، في هذا الجانب هناك سياسة وصراعات مختلفة، وفي ذلك مصالح اقتصادية وتجارية وشركات تتجاوز ميزانياتها بعض الدول، وفي مفصل ثالث بإمكاننا أن نتحدث عن تغيرات فكرية عميقة تصيب البشر، فضلاً عن تأثيراتها نفسياً واجتماعياً؛ بل لقد بات لها لغتها وآدابها وفنونها ونخبتها، أي تحولت إلى عالم متكامل يستند إلى نظريات وأطروحات وأفكار، من هنا قوة التكنولوجيا وتأثيرها غير المسبوق في البشر.

لم يعد ذلك العالم الذي شكلته التكنولوجيا افتراضياً إلا من باب المجاز، فهذا العالم بات يوجه واقعنا الملموس، عندما نتأمل مثلاً أعداد المتابعين لما يطلق عليهم «مؤثري» مواقع التواصل، سنجد أن هناك من يؤثر في الملايين، وهي أعداد لم يستطع أحد كبار المثقفين من النخب التقليدية تحقيقها يوماً ما، أما الأيديولوجيات القديمة فكانت تفرض من خلال أنظمة سياسية، أما ما يميز «المؤثرين» فهو أن الملايين تتبعهم اختيارياً، على الرغم من رأينا فيهم أو تقييم البعض لهم ولخطاباتهم وللأفكار التي يروجونها، وعلينا أن نسأل لماذا استطاعت هذه النخبة الجديدة الإجابة عن السؤال المعضلة الذي طالما ردده المثقف ودار ولف ليعثر على إجابة له حتى تحول إلى أحجية، وهو كيف أصل إلى الجمهور؟ أو كيف أؤثر فيه؟

إذن نحن أمام أيديولوجيا تتوافر لها كافة العناصر: نخبة وتكتلات ذات مصالح، وتبدو أزمتها الحقيقية في «الجمهور»، ومن التبسيط الشديد وصف مستخدمي الشبكة وتوابعها بالجمهور، لكنهم حشود، فالجمهور يتميز بملامح اجتماعية وثقافية واضحة، أما الحشود فعصية على الحصر والتصنيف، الأمر الذي يعيدنا إلى مسألة مطالبة برونو باستقلال الفضاء السيبراني، وهي مطالبة وجيهة من الناحية الاقتصادية، فجميعنا نشكو من هيمنة الشركات الكبرى، التي استغلت تلك الحشود، وتحكمت في بياناتنا ولاحقتنا بإعلاناتها التجارية، حتى انتاب البعض الشعور بالضيق لأن رغباته تحت المجهر، والرغبات تعكس جزءاً كبيراً من الشخصية، مما يجعلنا نحس أن هذه الشركات تراقبنا على مدار الساعة. أما استقلال ذلك الفضاء نهائياً فهو مسألة فيها نظر، فالقضية لا تتعلق بحرية التعبير عن الآراء وحسب، لكننا عانينا كثيراً من قدرة الفضاء الإلكتروني على نشر أفكار التطرف والكراهية.

https://tinyurl.com/49zarzjz

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"