عادي
نصوص «هذه الوردة» تزهر في إشراقة شمس

ناصر البكر الزعابي يتحدث بلسان شهريار

15:27 مساء
قراءة 5 دقائق
ناصر البكر الزعابي
هذه الوردة لي
هذه الوردة لي
  • حديقة أدبية تتوزع على 1001 نص
{هَذِهِ الوَرْدَةُ لي، هَذِهِ الباقَةُ لَكَ
أُسائِلُ أُمْنِيَتي، تُسامِرُ هَدِيَّتُكَ
هَذِهِ اللّيْلَةُ لَكَ:
تُؤَثِّثُ جَزيرَةً قَمَرِيَّةً فَجْرِيَّةً سُنْبُلِيَّةً
مَمْشُوقَةَ الشَّمْسِ.. فَاتِنَةَ الشُّرُوقِ}
عبد الله السبب
(1)
في ما مضى من وقت، كانت «شهرزاد» متصدرة للمشهد الروائي حين إسْماعِها «شهريار» حكايات في غضون ألف ليلة وليلة، اتقاءً لسيف شكوكه وشرور غيرته، وحفاظاً على سلالة النساء المؤنسات له في لياليه الداميات من الاندثار والانطفاء والمكوث في غياهب العدم والنسيان.
فيما نحن اليوم، هنا، من خلال الحديقة الأدبية (هذه الوردة لي)، العائدة في ملكيتها للشاعر الإماراتي ناصر البكر الزعابي، الذي عمل على تشييدها منذ زمن ليس ببعيد، وعمل على تنفيذ بنائها دار «منشورات كلمات للنشر والتوزيع» في مصر، فإننا نلحظ الشاعر البكر كما لو أنه «شهريار» القصيدة حين أسمع «شهرزاد» وجارياتها ألف نص ونص تحت شعار «أن تُشرق الشمسس.. أن تتنفّس الحقول».. فمن هي «شهرزاد» التي عناها الشاعر «شهريار» في حديقته الشعرية هذه، لا سيما ومفتتح القول كان سؤالاً غامضاً مباغِتاً: «لماذا أكبرُ كثيراً في غيابك»؟.
(2)
أهدى المؤلف الزعابي كتابه الذي يقع في 246 صفحة مكتنزة بـ 1001 نص إلى عنصرين بشريين: إهداء رئيس إلى ابنته «عائشة»: (ليكتمل عقد الياسمين)، وإهداء جانبي (إلى كل غرباء العالم الذين يتفادون الغصّة).
على حِسِّ هذين الإهداءين نبحر معاً في أعماق الكتاب لعلنا نظفر بما يشتهي المغامرون على متن السفن الماخرة عُباب الحياة؛ مع ملاحظة صغيرة أخذناها على عاتقنا ونحن نطوف في أرجاء الكتاب الحديقة، فإنه أشبه ما يكون بسيرة ذاتية للمؤلف عبر ألف محطة ومحطة في مختلف جوانب الحياة، الاجتماعية والمجتمعية والوظيفية والثقافية والاقتصادية، وما إلى ذلك من محطات الحياة بمختلف أشكالها وألوانها وصورها وفصولها، وبمختلف إفرازاتها من مكابدات ونجاحات وإخفاقات، وخفقات قلوب ممتلئة بشتى أنواع المشاعر.. فهل سنعثر على شيء ما يؤيد ما ذهبنا إليه من رأي وتأويل؟.
يقول ناصر البكر في أماكن متفرقة من الكتاب: (كأنَّ هدير البحر آهاتٌ بشرية. العالم كئيب، أحزانه لا تنقطع:. لا أقرأ محادثات الرفاق، لا أحب أسئلتهم كأنني مذيع نشرةٍ إخبارية أو حارس مقبرة.. أنا رفيق الصمت في زمن الحروف المبعثرة. أين رفاق التسكع، يصيح الممشى. الحنان وطن الصدور، القسوة إحساسٌ هجين. لا أريد شيئاً في ليالي وِحدتي، معي شمعةٌ وكتاب. يحدث أن العالم مزدحم بالعزلة. بين البيوت، الممرات الرملية مواعيد. مشبع بالتفاصيل الهشّة، بالذعر والأرقام، أقاويلٌ وأباطيل، واختفى الجميع.. بقِيَتْ معي كُتبي، وغراب آلان بو. لهم الدنيا الخاوية، ولنا ابتسامة الفقراء.......)، وهكذا، هكذا، هكذا...، وهكذا يقول ناصر البكر الزعابي: (الندم الذي يوبّخني قبل المنام، هو ذاته الذي يقاسمني أخطائي، منذ عام 1979).
نعم: 1979.. ذلك هو العام الذي كان موعداً لولادة الزعابي في منطقة «دهان» بمدينة رأس الخيمة. فأي أخطاء ارتكبها ذلك الطفل ناصر وهو بعد ما زال في عامه الأول؟.
أي خطأ مُرْتَكَبٍ في ذلك العام؟ وأي طفلٍ مُرْتَبِكٍ وهو ما زال بعد لم يخطو خطوته الأولى، ما زال في المهد المُمَهِّد لمستقبل يلوح في أفق أحلام أسرة ما زالت في أوج عافيتها وفي فاتحة مشوارها الاجتماعي والمجتمعي في الحياة..؟.
ثم: (طفلٌ يتيم يبحث عن الدفء في معطف أبيه). ذلك الأب يوسف عبيد سالم البكر الذي غادر الحياة في 29 نوفمبر 2015، فيما الطفل ناصر الذي كبر وفي معيته أم وشقيق وشقيقات ورفيقة حياة وذرية تتلمس طريقها نحو غد مأمول، لا يزال يبحث عن دفءٍ أبويٍ يقيه برد الأيام وقسوة الأعوام: (هذا العام يختلف كثيراً عن سابقيه، الريح تكنس حُنجرة الشارع، الوجوه غير الوجوه، البيوت تسكُننا)؛ ويتساءل إذ يتساءل: (شجرةٌ عائليةٌ.. لمن هذه الفؤوس إذن؟).
(3)
نعود أدراجنا إلى استفهام البستاني الزعابي الذي تصدّر حديقته الأدبية (هذه الوردة لي): «لماذا أكبرُ كثيراً في غيابك»؟
على ضوء ذلك التساؤل الشهرياري، نبدأ رحلة التنقيب في الحديقة على مدى «1001» نص نتنصت عليها وننصت إلى نبضها، بما يشبع فضول استنتاجاتنا، توافقاً مع احتمالات تأويلنا، بما يتيسر لنا من صبر وبصر وبصيرة، وبما يتوافق والغياب المعني من ناصر البكر بالسؤال السالف الذكر، لعلنا نصل إلى ملامح السيرة الذاتية لشهرزاد التي ربما هي «الوردة» التي أشار إليها الشاعر عنواناً واضحاً وصريحاً للكتاب (هذه الوردة لي).. «أن تُشرق الشمس.. أن تتنفّس الحقول»:
في أماكن متفرقة يقول الزعابي: (في غياب البشر، بيتي مزار العصافير. في انتظاركِ.. زهرة دوّار الشمس، تشاركني الشرود. لماذا لا تأتين مع العصافير الملونة، وتأخذيني إلى الأبد؟. أسرفتُ في تخيلكِ، حتى ارتسمتِ على الجدار. أمام فيضان الألم، أنا وحدي كالمعتاد. تعالي يا منقذتي، تعالي إلى خفقاني العنيف، امسحي على قلبي، لعلني أشفى من الهذيان. خذيني إليَّ، لأتعرّف على أيامي المفقودة. ضعي رحيقك للمدى، للأجواء، للنسيم العَطِر، للنفوس المثقلة بالقلق، وامنحيني قطرة الحياة، لعلني أصمد، ويعود الحب إلينا. أطير مع طيوفك البعيدة، أنفث عبقك مع الهواء النقي، لتغتسل الأحلام تحت ضوء الشمس. لأنك حلوة المذاق، أيامي مُرَّةٌ في غيبتك. وبعكس السائد، سأحلّق إليكِ بإصرار. حتى أعمدة الإنارة، آثرت الانطفاء أثناء اختفائنا. بمفردكِ، تملئين غياب الجميع. في طريقٍ موحش، وحدي برفقة التعب أسيرُ إليكِ. ستأتين، وينقلب حزني إلى فرحةٍ أسطورية. كانعكاس وجهك في المرايا، تعيش بداخلي صورتكِ الأزلية. تجازفين بالرقّة، تغامرين بالدفء، وتغمرين مسافاتي بصوتكِ الرخيم. ما أجمل مدينتي، وبها وجهكِ الريفيّ الرقيق. منذ النظرة الأولى، لم يكن لديّ حل سوى حبّك الأبدي. أكتفي بك، بعيداً عن مرارات الأرض، ولأنك أنيقةٌ نقية، ستشرقين. بين خطواتك وخفقات القلب صلة. هكذا أعطّر الطريق بصورك في مخيلتي، وأرشُّ عبق خضابك في أرجاء المدينة. يا لشروقك الذي دفن الدفء في صدري، لأقاوم صقيع الغياب).
ترى.. هل عثر الشاعر ناصر البكر الزعابي على ضالته الأنثوية التي أشار إلى غيابها في مطلع النصوص الـ (1001): («لماذا أكبرُ كثيراً في غيابك»..؟!)، حين همس إلى قلبه: (وجدتكِ يوم فقدني الآخرون إلى الأبد).. وهل كبر «ناصر» كثيراً بما جعله مليء بما يكفي من أحلام وأملاح وأحمال واحتمالات لا تحتمل التأويل والتفسير والتبرير..؟!: (ها أنا رجُلٌ شريدٌ على عتبةٍ بائسةٍ، أحدّق في المسافة وأرمي الحصى في نهرٍ جاف).
(4)
«أن تُشْرق الشمس.. أن تتنفس الحقول».. تلك هي الغاية التي نشدها البستاني الشاعر ناصر البكر الزعابي حين أنشد يقول: (هذه الوردة لي)؛ ومن أجل تلك الغاية النبيلة، عمل على تحفيز نفسه، ودفع أنفاسه إلى المثول في دائرة الحياة، والتمسك بثوابت الأمور، والثبات في محيط الوجود: (تماسك أيها الوحيد، كي لا يسقط ظلّك فوق وجه الشارع، وتصير المدينة بركة أحزان).

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"