الانفتاح.. طريق للبناء

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

بعد صمت شهور تحرّكت الآلة الدبلوماسية التونسية ولفتت الأنظار إليها مجدداً، من خلال مؤتمرات دولية ذات ثقل دبلوماسي و اقتصادي، يعيد لقرطاج أبعادها التاريخية الحقيقية.

من «تيكاد 8» إلى القمة الفرانكفونية التي ستحتضنها جزيرة جربة في نوفمبر القادم، والتي أكدت رئيسة الحكومة نجلاء بودن، انعقادها في الزمان والمكان اللذين حُدّدا سابقاً، إلى مؤتمر دولي حول التكنولوجيا ستحتضنه مدينة سوسة في الفترة القادمة، تخطو تونس خطوات مهمة جداً في الانفتاح على محيطها القريب وعلى الأسواق الناشئة في إفريقيا وفي غيرها من دول العالم، كما تضع نفسها في موضع الدولة القادرة على استقطاب القوى الدولية الكبرى والتفاوض معها، على أساس احترام المصالح التونسية.

إن مفاعيل هذه الندوات والمؤتمرات، لن تظهر بصورة فورية، فالعلاقات الدولية لا يسيّرها «مصباح» علاء الدين السحري، كما يريدها بعض المعارضين الذين كانوا إلى الأمس القريب في السلطة، ولم يقدموا شيئاً لبلدهم، وإنما المفاعيل الأهم في نظرنا هي كسر طوق الحصار الذي روّج له المعارضون أنفسهم، والذين مازالوا يخطون الرمل ويحسبون الأيام المعدودة المتبقية في حكم الرئيس قيس سعيّد. فهو من وجهة نظرهم، رئيس محاصر؛ بل غير معترف به من القوى التي تدعمهم والتي تطمئنهم بأنهم سيعودون إلى الحكم في وقت وجيز.

فقراءة واقعية لهذا الانفتاح التونسي على العالم تُظهر أنّ تونس تسير فعلاً على طريق البناء الحقيقي، دون التفريط في ثوابتها، وعلى رأسها احترام مصالح الدولة التونسية. وقد يشكك البعض في قدرة الرئيس سعيد على فرض هذه الرؤية التونسية، ولكن الواقع يثبت عكس ذلك، فهذه اللقاءات الكبرى التي تحتضنها تونس، تثبت أن الملف السياسي تم طيّه، وأن الجمهورية الجديدة انتقلت إلى مرحلة البناء الاقتصادي التي تتطلب صبراً ومثابرة واجتهاداً واختيارات سياسية شديدة الوضوح في البحث عن شراكات نافعة لتونس، تنمي اقتصادها وتوفر مواطن شغل وتستثمر الكفاءات البشرية الهائلة.

لقد كسبت تونس وستكسب من هذه المنتديات، على المستوى السياسي بعد أن تقتنع الأطراف الشريكة في أوروبا وأمريكا وآسيا، بأن هذه الدولة تريد فعلاً المرور إلى المرحلة الثانية من الثورة، وهي المرحلة الاقتصادية والاجتماعية.

ومن الطبيعي أن يظل المعارضون يقرعون طبول الحرب، ومن الطبيعي أن يتعلقوا بتلك القشّة التي يرون أنها قادرة على أن تقصم ظهر الجمهورية الجديدة، ونظام حكمها. ولكن العجلة دارت والعالم يتغير بسرعة، عكس ما تعتقد معارضة هزيلة فاقدة للشعبية والثقة وللبرامج أيضاً. إن تواتر زيارات المسؤولين الأمريكيين لقصر قرطاج طوال الفترة الماضية، تثبت أن الغرب بقيادة أمريكا، يريد أن يفهم هذه التوجهات الجديدة للرئيس قيس سعيد، فلا يظفرون إلا بإجابة واضحة: «نرفض التدخل في شؤوننا»، و«نريد التعامل باحترام متبادل ونعزز الشراكات التاريخية».

وهذا ذكاء دبلوماسي تونسي، فلسنا بصدد فتح معارك لا نملك أدواتها، ولا نريد هذه المعارك أصلاً؛ لأننا نريد من الانفتاح على الجميع، المساهمة في إعادة بناء هذه الدولة التي دمّرتها الحقبة السوداء، والتونسيون لا يقبلون أن يلقى بلدهم المصير ذاته الذي تعيشه بعض شعوب المنطقة. فمن قبِل هذا المبدأ، فأرض تونس هي أرض الانفتاح والاعتدال والتسامح، ومن ذهب في طريق أخرى، فإن لتونس بدائل أيضاً، وأرض الله واسعة، كما يقال.

تونس الآن، في أمسّ الحاجة إلى كل الشركاء، غرباً وشرقاً، وهي تفتح أبوابها لاحتضان الجميع على قاعدة واضحة: «الاستثمار والرخاء» للشعب التونسي. ودون هذا، فإن الجمهورية الجديدة لا تقبل به.

إن طريق البناء طويل وشاق، ولا أحد يتمنى أن تطول الأزمة أكثر؛ لأن الناس جاعوا وفُقِّروا وامتُهِنت كرامتهم، ولكن الأكثر بشاعة هو أن يستثمر المعارضون هذه المأساة التي صنعوها، من أجل مواصلة الاتجار بأصل تجاري فقد قيمته يدعونه زيفاً: حقوق الإنسان. الوطنيون الصادقون هم الذين عليهم الآن أن يسلكوا هذه الطريق على الرغم من كل مطبّاتها، وأن يمنعوا الرجوع إلى تلك الحقبة السوداء.

[email protected]

https://tinyurl.com/2p8dpxwt

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"