دور الغباء في التاريخ

00:46 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

هل يمكن أن يلعب الغباء دوراً لافتاً في حركة التاريخ؟ يؤكد المؤرخ الاقتصادي الإيطالي كارلولا شيبولا ذلك في كتابه «الغباء البشري»، من خلال صياغة خمسة قوانين أساسية للغباء، ربما تتسبب في صعود أو هبوط المجتمعات.

ووفق شيبولا، يؤثر الغباء سلباً في السياسة والاقتصاد والعلاقات بين الأفراد؛ الأمر الذي ينعكس بالتبعية على مسيرة المجتمع بصفة عامة، ومن ثم حركة الحضارة والتاريخ.

لم يكن شيبولا الوحيد الذي ركز على دور الغباء في التاريخ، ولكن هناك كتاب شهير للألماني إريك دورتشميد، بعنوان «دور الصدفة والغباء في تغيير مجرى التاريخ»، ويرصد فيه عشرات الأفعال الغبية التي تسببت بهزائم عسكرية ثقيلة شهدتها معارك كبرى وفاصلة، وهو ما يجعل أي قارئ أو مهتم بالتاريخ يسأل: هل يمكن ضم الغباء إلى مصفوفة العوامل التي تعارف عليها العلماء لفهم قوانين التاريخ؟.

هذه العوامل عديدة، ويبدو أنها تتأثر بمناخ عصرها والأفكار السائدة فيه. ففي الماضي وقبل عصر التنوير، كان التاريخ يكتب على شكل حوليات، يذكر من خلالها المؤرخ أبرز أحداث هذا العام أو ذاك، من دون البحث عن رؤية تفسيرية شاملة لمسار التاريخ أو حركته، وربما يكون ابن خلدون أول من حاول مقاربة مثل هذه الرؤية من خلال تأمل ما يدور حوله، وصياغة فكرته عن قوة الدولة التي تعتمد على العصبية، خاصة أنه عاش في زمن مضطرب.

مع النهضة الأوروبية بدأت تتشكل رؤى كبرى لتفسير التاريخ، ولأن تلك الفترة بدأت تركز على أهمية الإنسان، منح المؤرخون البطولة في مسار الأحداث للبطل الفرد الذي يستطيع من خلال سماته الشخصية أن يحرّك الوقائع، ويؤثر في المواقف المصيرية، ويقود الأمم للتقدم أو التراجع.

وفي القرن التاسع عشر ومع نشأة الماركسية، ومن ثم انتشارها في القرن اللاحق، بدأ المؤرخ يأخذ العوامل الاقتصادية في الحسبان، ويهتم بالصراع بين الطبقات.

ومع الطفرة العلمية والتكنولوجية خلال نصف قرن الماضي، شهدنا من يركز في حديثه على الآلة، بوصفها الفيصل في حركة التاريخ، فالعبيد على سبيل المثال تحرروا ليس نتيجة لدعوات المساواة وحقوق الإنسان، ولكن بسبب انتشار الآلات التي تستطيع العمل في الحقول بصورة أسرع وأرخص من العبيد.

وخلال العقود الأخيرة عندما شهدنا بوادر التغيرات المناخية، صاحبت ذلك نظريات جديدة حول دور الجفاف والحرارة المرتفعة في تدمير حضارات سابقة.

لقد كان لكل عصره رؤيته للتاريخ، والعوامل التي تقف وراء تلك الرؤية؛ الأمر الذي يطرح السؤال عن الأسباب التي تدفع البعض للحديث عن دور الغباء في التاريخ. أعتقد أن المسألة تعود إلى زمن راهن يتميز بغياب الأفكار الكبرى، فلم تعد هناك أطروحة موزونة يمكن من خلالها تفسير حركة التاريخ، بحيث سيغرد أحدهم خارج السرب لو تحدث الآن عن مفصلية الصراع الطبقي في حركة التاريخ، وهو ما يفتح الباب أمام سؤالين إشكاليين: هل التاريخ علم متكامل الأركان؟ وإلى أي مدى يتميز بالموضوعية؟.

 

https://tinyurl.com/469ru4nv

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"