الدين والدولة

00:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

وجود ثلاث ديانات سماوية معترف بها، لا يعني عدم وجود ديانات أخرى، اعترفنا بها أم لم نعترف، لكن مئات الملايين يدينون بها، وداخل كل ديانة مذاهب وطرق، وكلّهم يعتقدون أنهم على حق، ومذاهبهم وطرقهم للوصول إلى الله هي الأصيلة والأصلية، فهل تقوم الديانات السماوية وغير السماوية بإعلان القتال على بعضها بعضا حتى تنتصر فئة على أخرى؟ وفي حال انتصرت هذه الفئة على تلك، هل يسود السلام بين الشعوب؟

وحتى نترك الفرضيات جانباً نقول: إن السلام لن يسود، وستبقى الجماعات المهزومة تحاول النهوض لتقاتل الجهات المنتصرة، وهكذا، ستبقى أنهار الدم تجري ما وُجدت البشرية، ولو كانت الحروب تجد حلولاً وتصنع الاستقرار والوئام، لتحقّق السلام منذ آلاف السنين، والتاريخ شاهد على المنتصرين الذين هزموا أعداءهم، والمهزومين الذين استجمعوا قواهم وانتصروا.

وفي التاريخ أيضاً، هنالك شعوب تعرّضت لحروب دينية دموية، وتوصّلت لنتيجة مفادها أن الحرب لا يمكن أن تجد حلولاً للصراعات الدينية، فكان أن فصلوا الدين عن الحكم وتناوبوا السلطة ضمن أنظمة متعدّدة. وهذا الحديث ليس دينياً بقدر ما هو سياسي، يُعنى بتنظيم الحياة بين المجموعات البشرية على وجه البسيطة، ويجب ألا ينبري أحدهم ويمزج بين لغة السماء ولغة الأرض، ويضع نفسه ممثلاً أو مندوباً لله ليحقق أهدافاً خاصة، شأنه شأن كثيرين أرادوا إنشاء ديانات كثيرة داخل الدين الواحد بحجة الاجتهاد، رغم أن الاجتهاد يكون في محور أو اثنين، قضية أو اثنتين، ولا يؤدي إلى خلق ديانات جديدة.

إدارة الدين تختلف عن إدارة الدولة، في الأولى علاقة خاصة جداً بين الإنسان وربه، وفي الثانية تنظيم العلاقة بين الإنسان والإنسان من خلال قوانين واحدة يتم تطبيقها على الجميع، في إطار نظام حكم يتّفق عليه الناس بالتراضي، على أن يسود العدل بين الناس. ووجدت بعض الأنظمة الأحزاب لا لتتناحر، ولكن لتتشارك في تسيير أمور الدولة سلمياً، من دون الاتكاء على مذهب أو دين. وبعضها ارتضت الحكم من دون أحزاب كالملكية المطلقة، وبعضها مزجت بين النظامين وأتت بالملكية الدستورية. وباختصار، الشعوب التي فصلت الدين عن الدولة، ولم تسمح بتوظيفه للوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه، حقّقت تقدماً واستقراراً، ولا يخلوا الأمر من وجود جماعات متشدّدة أو محافظة، لكنها لم تلجأ إلى السلاح والفوضى للتعبير عن رأيها بقضايا النظام، والتزمت الدستور.

السؤال الجدير طرحه هذه الأيام بالذات: لماذا تصر بعض المجتمعات في العالم العربي على توظيف الدين والمذهب للوصول إلى الحكم؟ وهي تعلم أن صراع المذاهب لم يأت بنتيجة منذ نشوء الإسلام، بل إن المراحل الأكثر دموية في التاريخ الإسلامي هي تلك التي ازدهرت فيها الحروب المذهبية من دون طائل، ونحن نرى اليوم، أن لا أحد يسود على أحد، لكن المحاولات لا تزال قائمة.

المشكلة العويصة تتمثّل في أن جميع الأحزاب الدينية، تعترف في قرارات نفوسها، أن حروبها ليست لرفع شأن الدين، وإنما للوصول إلى السلطة، وتعمل على تجييش الدين لصالح السياسة، أي امتطاء الدين لتحقيق مآرب سلطوية ومادية خاصة. فهل يعتقدون أن لهم حقٌ إلهي في الحكم؟ وماذا عن المذاهب الأخرى، والأديان الأخرى والأقليات الأخرى؟

ما حدث في دولة عربية قبل أيام كاد أن يؤدي إلى مذبحة تطيح برؤوس عشرات الآلاف، وتخلق جرحاً اجتماعياً لن يندمل بعام أو اثنين، وقد وقع ما يشبه المذبحة حين أُزهقت ثلاثين روحاً. وهناك دولة عربية أخرى تنشط فيها الأحزاب الدينية، وتنذر بفراغ في السلطة سيؤدي إلى الانهيار الشامل.

دول كثيرة في العالم العربي تضج بالديانات والمذاهب والطرق والأقليات والأعراق، فإذا لم تحيّد الدين عن الحكم، ستبقى تشهد حروباً أهلية لا تنتهي، وستبقى تعاني تخلّفاً اقتصادياً كبيراً. وهذا التحييد سيحافظ على نقاء علاقة الإنسان بربه.

[email protected]

https://tinyurl.com/mrxp6kbs

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"