عادي

الاستسماح من الميت في قبره

23:56 مساء
قراءة 3 دقائق
1
عارف الشيخ

د. عارف الشيخ
قال لي بعضهم: كان بيني وبين فلان خلاف وخصومة، وظلت الحال كذلك لسنوات، ثم توفي ذلك الرجل فجأة من غير أن نتصالح، فذهبت إلى قبره واستسمحت منه، لكن قال لي أحدهم: هذا العمل غير جائز شرعاً ولا يفيدك في شيء.

قلت له: ظاهر الحديث أن الصلة بين الحي والميت تنقطع بالموت، فالميت في قبره لا يملك شيئاً لأنه ميت.

وفي الحديث عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: «من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» رواه البخاري.

وبناء على هذا الحديث، لا يفيدك الوقوف على قبر الميت وطلبك منه أن يسامحك، لأنه هو في قبره غير قادر على عمل شيء لنفسه، فكيف لغيره؟

وهنا يرد سؤال وهو: هل يسمع الميت وهو في قبره، أو هل يحس بمن يزوره؟

ورد في الحديث: ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام»، رواه ابن عبدالبر في «الاستذكار».

يقول ابن تيمية: قال ابن المبارك: ثبت هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (انظر الفتاوى ج24 ص331).

ويؤيد هذا القول ما روي عن المتأخرين أمثال العراقي في «تصحيح أحاديث كتاب إحياء علوم الدين للغزالي»، ج4 ص491، والسيوطي في «الحاوي» ج2 ص302 وغيرهم كثيرون.

ولو لم يكن يحس الميت بمن يزور قبره، لما شرع السلام بقوله: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين.

ويقول الدكتور محمد شلبي، أمين لجنة الفتوى السابق بدار الإفتاء المصرية: إن الميت يشعر بمن يزوره، واستشهد بحديث مشروعية السلام الذي أشرنا إليه، والحديث الذي قبله، وقال أيضاً: صح عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أنه وقف على قليت ألقي فيه قتلى بدر من المشركين فناداهم بأسمائهم وقال: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً.

فقال عمر: يا رسول الله أتخاطب أقواماً قد جيفوا؟ قال الرسول: مه يا عمر، والذي بعثني بالحق ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون جواباً، رواه البخاري ومسلم بألفاظ مختلفة.

إذاً نفهم من هذا كله أن زيارة الموتى مشروعة للسلام عليهم، وأنهم يحسون بمن يأتي إلى قبورهم لكنهم لا يستطيعون حراكاً، ولا جواباً، وقد ثبت أنهم ينتظرون من فترة إلى فترة مثل هذه الزيارات التي تؤنسهم في قبورهم.

يقول الإمام النووي: يستحب للمسلم زيارة القبور والسلام على أهلها، والميت يعرف من يسلم عليه ويرد عليه السلام، لذلك فإنه من المستحب للزائر أن يدنو من قبر الميت بقدر ما كان يدنو منه لما كان حياً، (انظر المجموع شرح المهذب ج5 ص310).

نعم، وقال أهل العلم بأن الاستسماح من الميت غير مشروع ولا يفيد الحي ولا الميت، لكن يجوز أن يستغفر ويتصدق عن الميت، لعل الميت إذا وجد ذلك في سجل حسناته يلهمه الله أن يسامحه عن ذنبه.

https://tinyurl.com/547bbpp8

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"