تونس ودولة العلم

01:00 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

ليس للجمهورية الجديدة في تونس، خيارات كثيرة حتى تنجح وتترسخ أركانها وإلا فإنها لن تكون سوى حلقة في سلسلة منتجات «الدول الفاشلة». بل إننا نعتقد بأن الجمهورية الجديدة لديها خيار وحيد، فإما أن تكون «دولة علم» أو أن تكون دولة مافيا.

رئيس الجمهورية الذي أتى من «المحفظة» كما يقال، وقد خبر قطاع التدريس والتعليم لسنوات طوال، يعرف جيداً ما تعانيه المدرسة العمومية التونسية، ويدرك أن هذه الحال لا يمكن أن تسهم في بناء المجتمع الجديد المنشود. إن أحوال المعلمين في العشرية الأخيرة قد ساءت وتراجعت مرتبتهم ومكانتهم الاعتبارية في المجتمع وهذا ينطبق على طبقات المعلمين الثلاث الابتدائي والثانوي والجامعي.

وعلى أبواب عودة مدرسية، تطرح أسئلة كثيرة حائرة حول الهدف من المدرسة العمومية، فهل المطلوب مجرّد إنجاح عودة مدرسية؛ حيث تكون الأضواء مسلطة على هذه العودة ثم يُترك المعلمون والمتعلمون يواجهون مصيرهم لوحدهم؛ حيث الإمكانيات لتعليم عصري شبه مفقودة؛ وحيث الاكتظاظ يفقد أي منظومة تعليمية نجاعتها؟

إن كان الأمر احتفالياً، أو ديكورياً؛ حيث يتم التقاط صور المسؤولين وهم يتوافدون على المؤسسات التربوية كما في كل بداية سنة دراسية، فذلك أمر هيّن، لكن نتائجه شديدة الوضوح، لأن الوضع التربوي يزداد سوءاً من سنة إلى أخرى، وخريجو هذا التعليم بأصنافه جميعاً ليسوا أفضل حالاً، ووجدوا في ما وراء البحار حلولاً لمستقبلهم سواء بطريقة شرعية أو عن طريق دولة المافيا العابثة بكل شيء في هذا البلد.

وإن كانت الغاية بناء دولة العلم كما في تجارب الدول المتقدمة مثل ماليزيا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة وطبعاً اليابان، فإن الطريق أيضاً واضحة وهي غير الطريق المسلوكة الآن. وإذا كنا نرغب في أن تكون مدرستنا منتجة للعلم فعلينا تكريم المعلم و ألاّ نجعل حظه من الدنيا سوى ذلك القليل من العلم الذي حصل عليه، كما أشار إلى ذلك الجاحظ في رسالة المعلمين. أوضاع المدرسين مهترئة إلى الحد الذي لم يعد بالإمكان قبوله في دولة تعتبر أن التعليم هو المصعد الاجتماعي الأول منذ استقلالها. وبإمكان رئيس الجمهورية وهو المدرس سابقاً أن يضع أمامه شبكة الأجور في قطاع الوظيفة العمومية وأن يدرس تطوّر هذه الشبكة منذ 2011 إلى الآن، وسيرى أن الفوارق باتت متباعدة جداً بين أجور منتسبي قطاعات التعليم وغيرهم من الموظفين الذين حصلوا على زيادات مجزية خلال السنوات الأخيرة.

وإذا أردنا تأسيس دولة العلم، فعلينا أيضاً إعادة الاعتبار للشهادات الجامعية وإعطاء أصحابها المكانة التي يستحقونها مادياً و معنوياً. وإذا أردنا تطوير ثروتنا البشريّة في دولة العلم المنشودة، فعلينا الاهتمام بصفة فعلية وإن لزم الأمر بصفة إجبارية بالتكوين المهني، فهو القطاع المنبوذ و المهمّش في دولة لا تمتلك سوى العنصر البشري في حين نجد أن التكوين المهني هو المسار التعليمي الأكثر أهمية في دول صناعية كبرى.

وإذا أردنا دولة العلم لا دولة المافيا، فلا سبيل لنا سوى تعزيز البحث العلمي من خلال توفير موارد مالية غير تقليدية ودفع الباحثين وتحفيزهم بالإمكانيات والتجهيزات وبالمال أيضاً، وغير ذلك فسنبقى نجترّ شعارات وهمية لن تغيّر واقع تعليمنا ولن تعيد للمدرسة جاذبيتها وسط تغوّل القطاع الخاص ولهفته من أجل اكتساح أحد أهم حقوق الإنسان في العصر الحديث، وهو حق التعليم.

إصلاح التعليم هو جوهر الثورة التونسية، ودونه سنظل نجني الخيبة تلو الأخرى. وها نحن نعيش هذه الخيبات طوال العشرية الماضية. فنحن لم نهتم بثورة تعليمية تغير المجتمع تغييراً جذرياً، وقد آن أوانها قبل أن ينفرط عقدها. وهناك مؤشرات على محاولات توظيف هذا القطاع في معارك سياسية، وهذا أيضاً لن يغير الحال؛ بل سيزيده تأزماً. والكرة في ملعبي قرطاج أولاً والقصبة ثانياً، لإعطاء مؤشرات أو رسائل، لأننا نريد فعلاً بناء دولة العلم. و إذا ما تأخرت تلك الرسائل أو الإشارات، فإن على الجميع أن يتحمل مسؤوليته بعد ذلك عمّا يمكن أن يحصل.

[email protected]

https://tinyurl.com/bdzy3fex

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"