عطالة الفكر

01:01 صباحا
قراءة دقيقتين

يحيى زكي

في بدايات العقد الأخير من القرن العشرين لخص المفكر الاقتصادي سمير أمين في كتابه «مناخ العصر» طبيعة المرحلة في ثلاثة مفاصل: تغول العولمة وما يصحبها من انتشار للنيوليبرالية، الاستقطاب الحاد بين الشمال والجنوب، و صعود التكنولوجيا. لم يكن أمين وحده الذي يفكر في مناخ العصر؛ بل كان العديد من الأدبيات والأطروحات تفعل ذلك.

على الساحة العربية دار آنذاك عصف ذهني طويل حول العولمة وتوابعها، وبُحثت من مختلف الزوايا: السياسية والاقتصادية والثقافية، وشهد الكثير من القضايا عصفاً مماثلاً، كانت هناك مقولة «العقل العربي» لمحمد عابد الجابري، ومقولات أخرى تتوقع نهاية النخب و سقوط المثقف، فضلاً عن تصدي العديد من الرموز العربية للتطرف الديني من منطلق تنويري.

عندما نتأمل ساحتنا الآن سنعثر على مفارقة لافتة، فالقضايا هي نفسها لا تزال تغري بالنقاش والخروج بأطروحات نظرية، لكن هناك صمت مطبق. صحيح يوجد الكثير من الكتابات حول العولمة والتكنولوجيا، لكنها كتابات لا تؤدي إلى الزخم السابق أو ينتج عنها جدل أو نقاش أو مؤتمرات أو حلقات بحث.. وكأن الجميع يكتب أو يتحدث في الفراغ. ليست العولمة أو التكنولوجيا وحدهما هما ما نلاحظ أن حيويتهما لا تزال مستمرة، لكننا في مرحلة تحققت فيها نبوءة سقوط النخب؛ بل ونشهد الآن تشكل نخبة جديدة، ومع ذلك لا يوجد من يحلل أو يكتب عن «ما بعد النخب التقليدية»، كذلك لا تزال مقولة العقل العربي طازجة وتغري بالنقاش، ومع ذلك هناك صمت مطبق.

ليست أفكار التسعينات من القرن الماضي هي التي لا تزال صالحة وحسب، لكن يختزل واقعنا بتحولاته الراهنة العديد من الأفكار التي ربما تتقاطع مع مسار القرن العشرين بأكمله. لو تأملنا مثلاً تغول الرأسمالية وتطور أساليبها وأدواتها وتقنياتها، مما يغري بالسؤال عن فاعلية اليسار أو وجوده في العالم بأكمله. وهناك حالة العبث التي يشعر بها الكثير منا وهو يتابع مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يذكرنا برؤى وجودية اكتسحت الساحة خلال ستينات القرن الماضي، وتحدثت عن: الاستلاب والاغتراب والعبث، والملاحظ كذلك أن ذلك الصمت لا يميز الجانب الفكري وحسب، لكنه يمتد إلى الأدب والفنون كذلك.

إن الخطورة التي تميز العولمة بعيداً عن كل ما قيل، تتمثل في عطالة الفكر، حتى لا نتطرف في القول ونصف تلك الظاهرة ب«بلادة الإحساس». فالواقع نفسه لو دققنا فيه قليلاً سنجده يفيض بالمسائل التي تحتاج إلى تنظير وإبداع، والمفارقة المؤسفة والساخرة والمريرة أيضاً أن الباحث أو المفكر الآن لا تنقصه المعلومات التي كانت تعوق البعض في الماضي، أما الكاتب أو الأديب فتتعدد أمامه منصات النشر، مع زيادة واضحة في معدلات التعليم وجودته، أي اتساع رقعة جمهور المتلقين، وهي كلها عوامل تشجع على البحث والدرس.

عطالة الفكر ظاهرة تستحق التوقف والتنبيه، لعلها تغري بنقاش أو أطروحة جادة يشرح من خلالها أحدهم لماذا باتت تسود عصرنا وتميزه؟

https://tinyurl.com/mvmwp932

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"