شمس بريطانيا

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

فيما الأمم منشغلة جُلَ وقتها مع نفسها بقضاياها، وبقليل من الوقت ترقب ما يحدث في واقع الأمم الأخرى؛ وفيما كل جزء من الخريطة الجغرافية العالمية يعيش لحظاته بين أمرين، إما منتظراً لأجيال جديدة تتوافد على الحياة الدنيا استكمالاً لمسيرة ما سبقها من أجيال، وإما مودعاً لأجيال تترجل عن الحياة مرتحلة إلى العالم الآخر، متمنياً لها كل خير في خاتمة رحلتها، فيما العالم كذلك، أعلن «قصر باكنغهام البريطاني»، مساء الخميس الماضي، وفاة «الملكة إليزابيث الثانية» في قلعة بالمورال باسكتلندا، إثر تدهور صحتها، عن عمر ناهز ال 96 عاماً.
«ماتت الملكة بسلام في قلعة بالمورال»، هكذا قال حساب العائلة الملكية على موقع «تويتر»، وبيان صادر عن قصر باكنغهام، وهكذا غابت «شمس بريطانيا» عن الوجود البشري، بعد أن ظلت مشرقة في أنحاء المملكة المتحدة طيلة سبعة عقود، منذ اعتلائها العرش في 6 فبراير/شباط 1952، بينما كانت في كينيا بجولة ملكية، بعد وفاة والدها الملك جورج السادس الذي تولى العرش في 11 ديسمبر/كانون الأول 1936 حين تنازل له عمها إدوارد الثامن، لتصبح هي وريثة العرش؛ حيث تُوّجت في 2 يونيو/حزيران 1953 في وستمنستر، كأول تتويج على الإطلاق يتم بثه على التلفزيون، وحتى لحظة وفاتها التي سوف يخلدها التاريخ وتتذاكرها الأجيال، لاسيما أن جنازتها هي الأضخم في العصر الحديث وستتم متابعتها حول العالم، بعد 10 أيام من وفاتها في 18 سبتمبر/ أيلول الجاري.
على الرغم من أن وصفها «الإمبراطورية البريطانية» التي لا تغيب عنها الشمس، على حد وصف الكاتب الاسكتلندي جون ويلسون في مجلة بلاكوودز البريطانية في عام 1829، وما أكّده جورج مكارتني في كتابه: «تلك الإمبراطورية لا تغيب الشمس عنها»؛ وذلك في ظل التوسع الإقليمي الذي حظيت به بريطانيا عقب حرب السنوات السبع، فإن شمسها التاريخية «إِلِيزَابِيث أَلِكسندرا ماريّ»، أو «إليزابيث الثانية»، الملكة الدستورية لأربع عشرة دولة من مجمُوع ثلاث وخمسين من دول الكومنولث التي ترأستها، قد غابت عن مملكتها وعن شعبها وعن العالم أجمع، بعد إشراقة مميزة طوال 70 عاماً حافلة بالأحداث والأحاديث، قدّمت خلالها نموذجاً للخدمة العامة، غابت «إليزابيث الثانية» وغربت شمسها مخلفة وراءها حزناً عالمياً، ومقولة خالدة: «الحزن هو مكان يعيش فيه الناس لسنوات»، و«الحزن هو الثمن الذي ندفعه من أجل الحب»، فيما مقولة أخرى كما لو أنها وصية لمن يحبها ويحترم تاريخها: «لا تخجل من بكائك، فلولا هذه العاطفة لكُنّا مجرد آليين».
«عندما تبدو الحياة صعبة، لا ينحني الشجعان ولا يتقبلون الهزيمة، لكنهم أكثر تصميماً على النضال من أجل مستقبل أفضل»، هكذا قالت الملكة إليزابيث الثانية ذات يوم، وهكذا حافظت على تماسك العرش طيلة الأيام، على الرغم من الآلام والخيبات الأسرية المتلاحقة.
[email protected]

https://tinyurl.com/4aynv3z9

عن الكاتب

أديب وكاتب وإعلامي إماراتي، مهتم بالنقد الأدبي. يحمل درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال، من جامعة بيروت العربية. وهو عضو في اتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات، وعضو في مسرح رأس الخيمة الوطني. له عدة إصدارات في الشعر والقصة والمقال والدراسات وأدب التراجم

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"