إحياء التاتشرية

00:59 صباحا
قراءة 3 دقائق

كمال بالهادي

إلى حين مواراة جثمان الراحلة الملكة إليزابيت الثانية الثرى في التاسع عشر من الشهر الحالي، سيكون مقرّ 10 داون ستريت هادئاً ومنشغلاً بترتيبات الجنازة الوطنية لأكثر ملكة حكمت البلاد من حيث المدة الزمنية. لكن الأمر لن يطول بعدها أكثر، فبريطانيا التي تتصدر الأزمة الأوكرانية من حيث كونها أكبر الداعمين لمواجهة روسيا، تعاني أزمة اقتصادية حادة ستؤثر في علاقتها المباشرة بالجيران الأوروبيين.

الأمر ليس اعتباطياً، عندما تتفق وسائل إعلام بريطانية وأوروبية وحتى أمريكية على وصف رئيسة الحكومة البريطانية الجيدة ليز تراس بكونها نسخة مطابقة للأصل من رئيسة الحكومة في ثمانينات القرن الماضي مارغريت تاتشر والتي كانت تلقّب بالمرأة الحديدية. ولا يتعلّق الأمر بتشابه في الصورة والشكل فقط؛ بل إن المقاربات والتحليلات تذهب إلى أن زعيمة المحافظين الجديدة ورئيسة الحكومة، ستسير على نهج تاتشر من حيث صلابة الموقف وحتى التطرف في خدمة مصالح بلادها وإن أدى ذلك إلى استعمال القوة العسكرية. وفي شمال القارة الأوروبية هناك توجّس من توجهات تراس الجديدة، خاصة في ما يتعلّق بعلاقات بريطانيا بالاتحاد الأوروبي.

فمن المعروف أن هذه المرأة كانت مؤيدة لبقاء بلادها ضمن فضاء الاتحاد، لكنها تصدّرت مؤيدي البريكسيت في سنة 2016، ومنذ ذلك الوقت وهي من أشد المؤيدين؛ بل إنها باتت من أكثر الأصوات داخل حزب المحافظين التي تدفع نحو تحالف استراتيجي انكلوسكسوني، وقطع الصلات مع الاتحاد الأوروبي. ومثل هذه التوجهات تعكسها تصريحاتها الخالية من الحد الأدنى من الدبلوماسية في ما يخص الشركاء الأوروبيين، وعندما سئلت عما إذا كان الرئيس الفرنسي صديق أم عدو فأجابت بأنها لم تحسم الأمر بعد.

هكذا وبكل بساطة يبدأ تحدي أوروبا من المرأة القوية تجاه القارة العجوز التي كانت تنتمي لاتحادها سياسياً واقتصادياً وأمنياً. أما لماذا ماكرون؟ فإن الإجابة بسيطة، ففرنسا تزعمت على مدى عقود نظرية البيت الأوروبي المستقل عن القرار الأمريكي، وتدعم باريس التوجه نحو الانفصال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، فيما تسير بريطانيا ومنذ عقود على نهج بناء تحالف استراتيجي شامل مع الولايات المتحدة.

تراس، ستعيد إلى الأذهان هذا التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وستدعمه من منطلق أن المستقبل هو لهذا التحالف. والمحافظون الجدد الذين يسيطرون على المشهد السياسي البريطاني منذ سنوات بعد فشل حزب العمال في إقناع البريطانيين بالبقاء ضمن الحاضنة الأوروبية، يعملون على تقوية هذا التوجه.

فمنذ سنة ظهرت على السطح تحالف نووي ثلاثي يتكون من أستراليا وأمريكا وبريطانيا، وتم إقصاء فرنسا من صفقة الغواصات النووية الأسترالية، ولم يكن الأمر يتعلق بمجرّد صفقة صناعة غواصات نووية؛ بل كان تحالفاً استراتيجياً أنكلوساكسونياً. فرئيسة الحكومة الجديدة، وعندما سئلت عما إذا كان في مخيّلتها خيار استعمال السلاح النووي، أجابت بذات برود المرأة الحديدية بأنها مستعدة لاستخدام السلاح النووي عند الضرورة. وليست الإجابات مجرّد زلات لسان يقع التعقيب عليها بأنها أخرجت من سياقها؛ بل هي تمثل خياراً دبلوماسياً وعسكرياً في التعامل مع الأزمات الدولية. ومثل هذه المواقف لا تربك فقط صناع القرار في أوروبا؛ بل تكشف عما يمكن أن يؤول إليه الوضع إذا ما استمرت الحرب الأوكرانية طويلاً، أو إذا ما استطاعت روسيا أن تهدد أمن الطاقة العالمي. و إذا كان النهج التاتشري يؤيد استعمال القوة في فض النزاعات فهذا يعني أن العالم سيكون عليه أن يتحمل مزيداً من الصراعات ومن الصدامات المؤلمة، فهل يتم جر أوروبا إلى حرب جديدة لا تعرف نهايتها ولا نتائجها؟

هنا سيكون على الأوروبيين المكتوين الآن بنتائج سياساتهم الخاطئة في قراءة عمق الأزمة الأوكرانية والاستعداد لتأثيراتها السلبية أن يسارعوا وقبل حلول الشتاء إلى جر موسكو لمفاوضات سلام تنهي الحرب وتنهي أزمة الغاز وتعيد للعالم أنفاسه. وغير ذلك فهو انجرار إلى نفق مظلم، لن تخرج منه لا أوروبا ولا غيرها من شعوب العالم سليمة.

[email protected]

 

 

https://tinyurl.com/mr2rfc29

عن الكاتب

كاتب صحفي وباحث في قسم الحضارة بجامعة تونس

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"