الفخ الأمريكي

00:47 صباحا
قراءة دقيقتين

إبراهيم مرعي

يقال إن التاريخ لا يكرر نفسه، لكن ما جرى ويجري في مجرى الصراع الدولي، يشير بالوقائع، إلى تشابه كبير في سير الأحداث والمواقف التي تؤكد أن استراتيجيات الدول الكبرى تتغير في العناوين، لكنها لا تتغير في التفاصيل والأهداف.

تعالوا نقرأ في وثائق أرشيف الأمن القومي الأمريكي التي رفعت عنها السرية في تسعينات القرن الماضي. يقول مدير وكالة المخابرات المركزية، آنذاك، روبرت غيتس، في مذكراته التي نشرت عام 1996، إن «أجهزة المخابرات الأمريكية بدأت في مساعدة «المجاهدين» الأفغان ليس بعد الدخول العسكري السوفييتي في ديسمبر/كانون الأول 1979، ولكن قبل ذلك بستة أشهر».

وقد قام بهذا الدور مستشار الأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي الذي أقنع الرئيس جيمي كارتر بتدشين «عملية الإعصار»، وهي برنامج لتدريب وتسليح «المجاهدين الأفغان». وقد قام بريجنسكي يومها بجولات مكوكية في منطقة الشرق الأوسط، لتجميع «المجاهدين» وإرسالهم إلى أفغانستان.

يقول بريجنسكي في حديث نشرته مجلة «لونوفيل أوبسرفاتور» عام 1998: «في 3 من يوليو/تموز 1997، وقّع الرئيس كارتر أول توجيه للمساعدة السرية لمعارضي النظام الموالي للسوفييت في كابول، ويومها كتبت ملاحظة للرئيس أوضحت فيها أن هذه المساعدة ستؤدي في رأيي إلى تدخل عسكري سوفييتي». ويقول رداً على سؤال للمجلة عما إذا كان يشعر بالندم: «على ماذا نأسف؟ كانت العملية السرية فكرة ممتازة. لقد دفعنا بالروس إلى الفخ الأفغاني وتريدون مني أن أندم عليه؟».

ويقول بريجنسكي رداً على سؤال آخر حول دعم الجماعات الإسلامية المتطرفة: «أود أن أسأل: ما هو الأهم في تاريخ العالم؟ طالبان أم انهيار الإمبراطورية السوفييتية؟ بعض المسلمين المهتاجين،أم تحرير وسط أوروبا ونهاية الحرب الباردة».

يتضح من هذا الكلام أن التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان الذي بدأ عام 1997، وانتهى بانسحاب مذلٍّ بعد أكثر من تسعة أعوام، بعد أن تكبدت القوات السوفييتية أكثر من 13 ألف جندي، كان فخاً أمريكياً نصب للكرملين بعناية. وبالتالي كانت هذه الحرب من أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي بعد ذلك.

والمفارقة أن الأمريكيين شربوا بعدها من نفس الكأس المرة، وتورّطوا في المستنقع الأفغاني لمدة عشرين عاماً، وانسحبوا منه أيضاً بشكل مذلٍّ، بعد أن قلب «المجاهدون» الذين تربوا في الحضن الأمريكي ظهر المجن.

لعل الحرب الأوكرانية الحالية لا تختلف كثيراً عما حصل في أفغانستان، من حيث تحويلها إلى فخ آخر. ذلك أن التقارير الاستخباراتية الغربية تشير إلى أن الدعم الأمريكي لأوكرانيا لم يبدأ بعد العملية العسكرية الروسية في شباط/فبراير الماضي، وإنما بدأ عام 2014 بعد استعادة روسيا شبه جزيرة القرم، وذلك من خلال تزويد كييف بالأسلحة والخبراء، لكن وتيرة الدعم تزايدت بعد الحرب من جانب الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، في محاولة منها لتحويلها إلى «حرب استنزاف» للقوات الروسية، وبالتالي إنهاكها، وحملها على الانسحاب من خلال تكبيدها خسائر فادحة في العتاد والأفراد، مع ما يمكن أن يحصل من تداعيات سياسية وأمنية داخلية، على غرار ما انتهى إليه الاتحاد السوفييتي.. لعل الكرملين يدرك كل ذلك.

[email protected]

 

 

https://tinyurl.com/yksbyu5z

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"