الواقع انعكاس لما تبحث عنه

00:06 صباحا
قراءة دقيقتين

في إحدى القرى النائية كانت الأخبار تصل عن تلك المدينة التي تسحر عين الناظر بجمال شوارعها وأبنيتها، وحدائقها وآثارها ومسارحها الفنية، فقرر كبير القرية جمع وفد من الرجال وإرسالهم إلى المدينة لمعرفة مدى صدق ما يُقال عنها، وبالفعل تشكّل الوفد وانطلق صوب المدينة، ولما وصل اتفق الجميع أن يتفرّقوا ويتقابلوا مساء في موقع محدد ليعودوا إلى القرية، وعندما حلّ الظلام اجتمعوا ورجعوا إلى القرية التي كان أهلها ينتظرون بفارغ الصبر ليسمعوا الأخبار التي سيجلبها الوفد لهم عن المدينة، وعندما اجتمع الجميع بحضرة كبير القرية، طلب الأخير من أعضاء الوفد أن يرفعوا تقاريرهم.
قال الأول: في المدينة مطاعم فاخرة ومسارح ومكتبات ضخمة، وأسواق تزخر بأجود أصناف السلع.. إنها بحق مدينة ساحرة!
قال الثاني: في المدينة مراقص وملاهٍ ومن أراد ذلك فليمكث فيها.
قال الثالث: في المدينة مساجد كبيرة وصغيرة جميلة العمران تنتشر في كل مكان، هناك حيث يلفّ الإيمان أركان المدينة.
استغرب أهل القرية من تفاوت أقوال الرجال وآرائهم حول المدينة، فأخذوا يتساءلون: هل ذهب الجميع إلى القرية ذاتها؟
فوقف كبير القرية وقال: نعم. فلقد ذهب الجميع إلى المدينة نفسها، غير أن كل واحد منهم رأى فيها ما يريده ويبحث عنه.
إن هذه القصة ما هي إلا صورة مصغّرة عن الحياة بأسرها، فإذا جلست إلى أحدهم أخذ يحدّثك عن روعة الحياة وجمالها، وآخر يخبرك بأن وجودك على قيد الحياة معاناة بحد ذاتها.
بعض الأشخاص يرى أن الناس أشرار ويدعوك إلى تجنّبهم، وآخر يرى  في كل إنسان  بذرة خير وأن الحياة ملأى بأصحاب القلوب الطيبة.
أحدهم يعتقد أن الحب وهم وشعارات كاذبة، وآخر يشعر بالحب في كل شيء حوله.
وأحدهم على استعداد لفعل أي شيء في سبيل تحقيق أهدافه، ويخبرك بأن الغاية تبرر الوسيلة، وآخر يؤمن بأن الغايات النبيلة لا تتحقق إلا بالسير في طريق نبيل، وأنه لا قيمة في الوصول إلى غاية سامية إذا سلك الإنسان طريقاً منحرفاً.
الحقيقة هي أن الحياة ليست رحلة شقاء ومعاناة ولا هي فرح وسعادة؛ بل هي مزيج من الأضداد، فيها من يقترفون كل الموبقات بحجة أن الغاية تبرر الوسيلة، وآخرون ينأون بأنفسهم عن الشر والفساد، والناس عموماً ليسوا شياطين تمشي على الأرض ولا هم ملائكة أيضاً، على أن فيهم من الأشرار من فاق الشيطان في دهائه وشرّه، وفيهم صاحب قلب طيّب يفوق خيراً وصلاحاً! لكن ما لا شك فيه هو أن الواقع دائماً وأبداً، انعكاس لما تريده وتبحث عنه.
[email protected]

https://tinyurl.com/2sj9atvf

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"