قوة روسيا الناعمة

00:24 صباحا
قراءة 3 دقائق

نبيل سالم

بعد ستة أشهر من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، وقّع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، مرسوماً بالموافقة على عقيدة جديدة للسياسة الخارجية تقوم على مفهوم «العالم الروسي».

وحسبما نشر في موسكو، فإن بوتين وقّع على وثيقة بعنوان «السياسة الإنسانية»، وهذه الوثيقة يمكن اعتبارها صورة، أو عناوين رئيسية للقوة الروسية الناعمة التي تتضمن أيضاً هدفاً روسياً قومياً كبيراً، وهو حماية تقاليد ومُثل العالم الروسي، وضمان سلامتها والنهوض بها، حيث جاء في الوثيقة المذكورة أن «روسيا الاتحادية تقدم الدعم لمواطنيها الذين يعيشون في الخارج لنيل حقوقهم وضمان حماية مصالحهم والحفاظ على هويتهم الثقافية الروسية»، وأن علاقات روسيا مع مواطنيها في الخارج تسمح لها «بتعزيز صورتها على المسرح الدولي كدولة ديمقراطية تسعى جاهدة لخلق عالم متعدد الأقطاب».

وتتألف الوثيقة المذكورة من مئة وسبعة عشر بنداً، تتضمن تأكيداً على أن الاتجاه الأساسي للسياسة الخارجية يحدده الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، فيما يضطلع مجلس الدوما والفيدرالي بوضع الأطر القانونية لتنفيذ هذه الرؤية، في حين تتولى المؤسسة الروسية الخارجية ووسائل الإعلام تطبيقها.

ويلاحظ من قراءة البنود التي حوتها تلك الوثيقة، ذلك التأكيد القوي على إصرار روسيا على حماية مواطنيها الذين يعيشون خارج موطنهم، ولا سيما أولئك الذين يعيشون في الدول التي انفصلت عن روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في 1991، والذين يقدر عددهم بأكثر من خمسة وعشرين مليون مواطن روسي، وهو الحدث الذي وصفه بوتين في أكثر من مناسبة بأنه كارثة جيوسياسية.

وكما هو معروف، واصلت روسيا اعتبار دول الاتحاد السوفييتي السابق، من البلطيق إلى آسيا الوسطى، مجال نفوذها الحيوي، وهي فكرة قاومتها بشدة العديد من تلك الدول، وكذلك الغرب، بقيادة الولايات المتحدة التي لم تتورع عن اعتبار دول تبعد عنها عشرات آلاف الكيلومترات جزءاً من مجالها الحيوي، أو ما تسميه أمنها القومي.

وفيما يبدو أنه محاولة لاستعادة الدور الروسي الفاعل على الساحة الدولية، تؤكد وثيقة السياسة الجديدة أنه يتعين على روسيا زيادة التعاون مع الدول السلافية والصين والهند، بجانب تقوية علاقاتها مع الشرق الأوسط، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وهو أمر يُظهر بوضوح رغبة روسيا في تعديل مسار العالم الذي جرّته الولايات المتحدة إلى الكوارث والحروب المتلاحقة في ظل هيمنة القطب الواحد، كما أن إعلان روسيا عن سعيها لتعزيز علاقاتها مع أبخازيا وأوسيتيا، وهما منطقتان في جورجيا اعترفت موسكو باستقلالهما بعد حربها ضد جورجيا في عام 2008، إضافة إلى الإقليمين الانفصاليين في شرق أوكرانيا اللذين أعلنا استقلالهما من جانب واحد تحت اسم جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوغانسك الشعبية، يشير إلى طموح موسكو إلى تصحيح، أو استعادة ولو جزء من الجغرافيا السوفييتية، باعتبار أن ذلك يصب في مصلحة الأمن القومي الروسي أيضاً.

وتأتي وثيقة «السياسة الإنسانية» الجديدة لروسيا، بعد نحو شهرين، على توقيع الرئيس بوتين على مرسومين حول إقرار العقيدة البحرية الروسية، وميثاق الأسطول العسكري الروسي، لتمثل نقطة تحول في العلاقات بين موسكو بعد أن اعتبر«الناتو» أن روسيا «تمثل التهديد الأهم والمباشر لأمن الحلفاء والسلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية». ما يعني تغييراً كبيراً في قواعد اللعبة بين الغرب، بزعامة الولايات المتحدة، وروسيا، حيث تقاربت تلك الوثيقة في حينه، مع المذهب العسكري في حقبة الاتحاد السوفييتي السابق ومرتكزاته الاستراتيجية، رغم أنها تمثل المعطيات الأساسية لمذهب روسيا العسكري في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

ويمكن القول، إن موسكو التي استطاعت أن تقلب الكثير من الموازين في العالم، من خلال تحركها العسكري في أوكرانيا، تشهر الآن سلاح قوتها الناعمة، في ظل التشويه المتعمد من الولايات المتحدة والغرب لصورتها، كما أن الوثيقة تعد محاولة لمواجهة سياسة العولمة التي تنتهجها الولايات المتحدة، من خلال التأكيد على أهمية حماية تقاليد ومُثل العالم الروسي، والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، وهو أمر قد يسهم في التخفيف من الهيمنة الأمريكية على العالم، وتخفيف التوترات التي تثيرها الولايات المتحدة والغرب، والتي تتسم بالأنانية والتسلط.

[email protected]

https://tinyurl.com/3rctz9hr

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"