هل يجوز أن ندع موضوعاً مثل تطوير تدريس الأدب، يمرّ مرور دردشة الكرام؟ الخبر على أهميته، لا يكفي لوضع نظرية تطويرية في الأساليب التربوية. صحيح أن قدوم أبي الطيب مناسبة طيبة، أتى أهلاً ونزل سهلاً، ولكن خبر إلقائه قصائد في أمسية شعرية، لا يصلح أن يكون في صميم دروس المقرر الدراسي.
بالمناسبة: قبل الأمسية بساعتين، اختلت اللجنة المنظمة بشاعرنا الكبير المتنبي، لتحديد المقاطع التي تستحب قراءتها، خشية وقوع ما لا تحمد عقباه، وقد ترك الأعضاء أعصابهم في الثلاجة سلفاً، تحسباً لانفجار غضبه في أي لحظة، فهم يعرفون كبرياءه، يجرؤ على القول أمام سيف الدولة: «ليعلمِ الجمع ممّن ضم مجلسنا.. بأنني خير من تسعى به قدمُ». لسوء الحظ، تلبّدت الغيوم حين قال: سأقرأ أولاً: «أمِنَ ازديارَك في الدجى الرقباءُ.. إذ حيث أنتِ من الظلام ضياءُ». أحدهم زلّ لسانه، قال: الأستاذ أحمد، الصورة رائعة، لكن في ذلك الزمن. أنت اليوم في سنة 2022، أكثر من ألف سنة على إبداع القصيدة. اليوم ليس لدينا مدن مظلمة. والجمهور لا يوجد فيه من يستوعب معنى الرقباء، لكن لدينا ألوف مؤلفة من الكاميرات في كل شبر. حتى غوغل شاهد، يقول لك: أين ذهبت طوال الشهور الماضية بالضبط.
حسناً فعل أحد الأعضاء حين أنزل السكينة على فؤاد الشاعر قائلاً: إذا سمحت، فأفضل استهلال يكون قول جنابك: «أحلماً نرى أم زماناً جديداَ.. أمِ الخلق في شخص حيّ أعيداَ... تجلى لنا فأضأنا به.. كأنّا نجومٌ لفينا سعودا». تهللت أساريره وقال: هكذا أنا أتجلّى، سأقرأ بعدها: «ليالي بعد الظاعنين شكولُ.. طِوالٌ وليل العاشقين طويلُ»، وإذا بصاحب زلة اللسان يقول: يا أبا الطيب، في زماننا يتمنى العاشقون أن تصير الليلة اثنتين وسبعين ساعة، فلا شيء أقصر من ليالي العشاق، الشبكة بالصوت والصورة، فالرسائل الإلكترونية باتت كان يا ما كان، الدنيا الآن في عصر «الميتافيرس» و«الهولوجرام». صرخ المتنبي: ويحك: «أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت.. وإذا نطقتُ فإنني الجوزاءُ... وإذا خفيتُ عن الغبيّ فعاذرٌ.. ألاّ تراني مقلةٌ عمياءُ». تكهرب الجو، فسارع أحدهم: أرجوك أتحف الجمهور بقصيدة: «فديناك من رَبْع وإن زدتنا كرباَ.. فإنك كنت الشرق للشمس والغرباَ».
لزوم ما يلزم: النتيجة الإعلانية: بعد الأمسية تقدمت حسناء: مسيو متنبي، أنا مندوبة شركة عطور تريد توقيع عقد معك بشأن البيت: «وفتّاكة العينين قتّالة الهوى.. إذا نفخت شيخاً روائحها شبّا».
[email protected]