أوروبا والديزل الصيني

20:39 مساء
قراءة 4 دقائق

كلايد راسل *

إذا كانت أوروبا جادة بشأن إنهاء جميع واردات النفط الخام والوقود المكرر الروسي، بحلول أوائل العام المقبل، فإن مفتاح النجاح يكمن في آسيا، وبشكل أكثر تحديداً في الصين.

فقد وافق الاتحاد الأوروبي في مايو/ أيار على إنهاء واردات الخام الروسي المنقولة بحراً بحلول ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وخفض المنتجات المكررة بعد شهرين في إطار جهوده العقابية على موسكو بعد عملياتها العسكرية في أوكرانيا.

المشكلة هي أنه لا يوجد ما يكفي من الديزل في النظام العالمي لتعويض النقص المحتمل في أوروبا، التي لم تتمكن حتى الآن من إنهاء اعتمادها على الواردات من روسيا. فقد بلغت صادرات الديزل الروسية عبر السوق المنقولة بحراً إلى أوروبا 543 ألف برميل يومياً، في أغسطس/آب الفائت، مقارنة بأكثر من 520 ألف برميل يومياً، تم شحنها في الشهر نفسه من العام الماضي، وفقاً لبيانات جمعها محلل السلع «كبلر».

وفي الأشهر التي أعقبت اندلاع الأزمة في أوكرانيا، ظلت صادرات الديزل الروسية إلى أوروبا، إلى حد ما، عند مستويات ما قبل بدء العمل العسكري في الرابع والعشرين من فبراير/ شباط، وبينما شهد أغسطس الحد الأدنى للتدفقات الروسية إلى أوروبا، كان إبريل/ نيسان الأعلى ب 681 ألف برميل يومياً. وفي هذا الخصوص، تعمل أوروبا على شراء المزيد من الديزل من مصافي التكرير الآسيوية، حيث أظهرت بيانات «كبلر» أن الصادرات المنقولة بحراً بلغت 365 ألف برميل يومياً في أغسطس، وهو أعلى مستوى منذ مارس/ آذار.

ومن المؤكد أن التدفقات الأوروبية تحافظ على هوامش تكرير الديزل عند مستويات مرتفعة في آسيا، مع أرباح مرتفعة لإنتاج برميل الغازولين، وهو حجر الأساس للديزل ووقود الطائرات، والذي سجل 42.83 دولار، يوم الاثنين الماضي، في مصفاة سنغافورة. ورغم أنه انخفض عن الرقم القياسي 68.69 دولار للبرميل في 24 يونيو/ حزيران، إلا أنه أعلى بست مرات مما كان عليه في الوقت نفسه قبل عام. وأعلى بنسبة 166% من 16.07 دولار في يوم بدء العملية العسكرية الخاصة بين روسيا وأوكرانيا.

وإذا حاولت أوروبا سحب المزيد من الديزل بعيداً عن آسيا، فمن المرجح أن تعزز الهوامش أكثر، ما سيؤدي في النهاية إلى إذكاء مخاوف التضخم والنمو الاقتصادي في منطقة تواجه أيضاً ارتفاعاً قياسياً في أسعار الفحم الحراري والغاز الطبيعي المسال.

والسؤال المطروح على السوق هنا: هل هناك مسار قابل للتطبيق يُمكّن أوروبا من خفض واردات النفط الخام والوقود الروسي، خاصة الديزل؟ من بعض الجوانب، يسهل استبدال النفط الخام، بالنظر إلى قدرة المُصدّرين في الشرق الأوسط وإفريقيا والأمريكتين على إرسال شحنات إلى أوروبا، بالتوازي مع قدرة روسيا على إرسال المزيد من النفط إلى المشترين في آسيا، خاصة الصين والهند.

لكن تبقى المشكلة في الديزل والحلول أبعد ما يكون عن السهولة. نعم، من المرجّح أن تكون روسيا قادرة على تصدير المزيد من الديزل إلى دول خارج أوروبا، خاصة تلك الموجودة في إفريقيا ممن قد تجد نفسها في مزايدات مع شحنات منشأها آسيا، ولكن من غير المرجح أن تُعطي إعادة تنظيم التدفقات هذه حلولاً جذرية كاملة، وستؤدي في المقابل إلى ارتفاع التكاليف على جميع الأطراف.

ما نحتاجه إذن، هو المزيد من إمدادات الديزل في السوق العالمية المنقولة بحراً، وهنا تكمن أهمية الصين.

وتراجعت صادرات الصين من المنتجات النفطية المكررة بشكل كبير هذا العام، مع خفض بكين حصص التصدير لعدة أسباب، تتراوح من الرغبة في تعزيز قطاع التكرير المستقل، إلى تقليص استخدام الطاقة في التكرير، وأيضاً لأن أسعار الخام المرتفعة أعاقت الواردات.

وتراجعت صادرات الديزل الصينية في عام 2022، حيث أظهرت بيانات الجمارك الرسمية شحنات ب 360 ألف طن فقط في يوليو/ تموز، أي ما يعادل نحو 87 ألف برميل يومياً. وفي الأشهر الثمانية الأولى من العام، بلغ متوسط صادرات الديزل 85.900 برميل يومياً، انخفاضاً من 315 ألفاً لكامل عام 2021.

وبدأ التراجع في صادرات الديزل الصيني في أغسطس، من العام الماضي، عاكساً الاتجاه المتزايد الذي شهد ذروة بلغت نحو 680 ألف برميل يومياً في كل من مارس/ آذار 2021 والشهر نفسه من عام 2020. وفي حال ارتفعت صادرات الصين من الديزل إلى نحو 500 ألف برميل يومياً، وهو أمرٌ في متناول إمكانات البلاد، فسيخفف ذلك بلا شك الضغط على الإمدادات العالمية.

في حين أن السماح بمزيد من صادرات الديزل سيكون مكسباً اقتصادياً لبكين، حيث يمكنها شراء الخام الروسي الرخيص والحصول على هوامش ربح أقوى على صادرات الوقود المكرر، إلا أن هناك ما هو أكثر من مجرد المال. فتحالف بكين وموسكو قد يتزعزع إذا ما ساعدت الأولى أوروبا في خفض أرباح روسيا من صادرات الطاقة. وبالمثل، لا ترغب بكين في رؤية ركود عالمي تقوده أسعار الطاقة، نظراً لاعتماد صناعاتها التحويلية على الصادرات بالدرجة الأولى إلى الدول الغربية.

* كاتب متخصص بأسواق السلع والطاقة الآسيوية في «رويترز»

https://tinyurl.com/mt42v5hs

عن الكاتب

كاتب في رويترز

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"