ما رأيك في أسئلة نستفز بها الأوساط الثقافية العربية؟ ماذا لو سأل سائل: ما هي الدلائل التي تثبت وجود وحدة تكاملية للوسط الثقافي العربي؟ حين نتحدث عن وسط ثقافيّ، فإن المقصود هو أن ذلك الوسط يشكل جسماً متكاملاً، تعمل فيه الأعضاء والمكوّنات بنظام واحد متعدد الوظائف: العين تبصر، الأذن تسمع، اليد تلمس وتتناول عزفاً، رسماً، لكماً، والأنف يشم، واللسان يتذوق وينطق، والرجْل تمشي وتعدو وتركل... ولكن الأعضاء كلها تتعاون، تتعاضد، تتجاوب، وإذا اشتكى منها عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى.
على هذا الأساس، يجب أن ننتقي مثالاً مثاليّاً نسبيّاً، مثلاً: الوسط الثقافي في باريس في أواخر القرن التاسع عشر والعقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، كانت الفنون متجاوبة متناغمة في المدارس والتيارات، كانت مصادر الإلهام والتنظير المؤثرة في الإبداع واحدة. الشعر، القصة، الرواية، الموسيقى، الفنون التشكيلية، المسرح، كلها تشبه المرايا المتعاكسة. 
كانت مرايا، منذ الرومانسية، الرمزية، الواقعية، الواقعية الجديدة، الطبيعية، الدادية، السوريالية، وهلمّ مدارس وتيارات. كأنها بلغة المعلوماتية، قلوب معالج البيانات المتوازية في أداء مهمّات ووظائف مختلفة، ولكنها في نظام واحد. كأنها الدماغ الواحد الذي تعزف فيه فرقة الحواس والإحساسات والفكر والتأملات الصوفية والحسابات الاستراتيجية والعواطف الجياشة والانفعالات الصاخبة، أدواراً متباينة، ولكنها في مجموعها تؤدي سيمفونية حياة واحدة.
في العالم العربي، في النصف الأول من القرن العشرين، شهدت بلدان عدّة صوراً جميلة للتناغم والتجاوب بين المكوّنات الثقافية، لذلك ظهر المسرح الغنائي في مصر ولبنان، وتألق «مؤتمر الموسيقى العربية» 1932 في القاهرة. هنا يصدمنا السؤال: أليس عجيباً أن تكون «دار الأوبرا المصرية» قد تأسست في القاهرة سنة 1869 بمناسبة افتتاح قناة السويس، بأمر الخديوي إسماعيل، وإلى يومنا هذا لم تقم للموسيقى الجادّة العارفة قائمة في دنيا العرب. عذراً شوقي: «ورُبّ منتصتٍ والذوق في صممِ». 
عجباً، ما للأوساط الثقافية لا تطرح جديّاً هذه القضيّة؟ الأنكى الأدهى: ما للمثقفين العرب لا يتساءلون عن النبأ الأليم: لماذا لا يوجد لمكونات الثقافة جهاز مناعة شامل؟ لماذا نرى أن ما يشمل المثقفين في مجالاتهم المختلفة، هو عدم الاكتراث المتبادل. مثلاً: لا مفهوم للأغنية من دون كلمات، ولكن الشعراء لا يهمّهم أن تنزل الكلمات إلى الحضيض. التشكيليون لا علاقة لهم بالموسيقى. أهل القصة قصة أخرى.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإيقاظية: إذا كان المثقفون يحبّون الثقافة، فإن الثقافة لا تتجزّأ. التفكك إلى أين؟
[email protected]