المجتمع المستقر

00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق

عبدالله السويجي

المجتمع المستقر هدف استراتيجي لكل حكومة، وتحقيقه يعتمد على الطرفين، المجتمع والحكومة، انطلاقاً من مبدأ تقاسم المسؤولية وتوزيع الأدوار. وهذا الهدف إنساني وأخلاقي قبل أن يكون سياسياً واقتصادياً. والإنساني والأخلاقي صفتان لا علاقة لهما بالعاطفة، إنما بحاجة الإنسان المادية والمعنوية إلى الأمن والأمان.

وهاتان الكلمتان أيضاً ليستا معنويتين، إنما تحملان محاور لا حصر لها، وبرامج عديدة ومتنوعة للوصول إلى معاييرهما الأنقى. باختصار لا شيء عاطفياً في بناء استقرار المجتمعات باستثناء الرغبة في تحقيق الهدف، والمدفوعة بالإرادة النابعة من حب الشعب والوطن أولاً، والانتماء إلى ماضيه وحاضره ومستقبله ثانياً، ولو حلّلنا كلمة انتماء لوجدناها جامعة لكل السياسات المادية والمعنوية، بل لا نبالغ لو قلنا بأنها المحرّك لتحقيق المجتمع المستقر.

قد يجادل البعض بأن المسؤولية تقع على الحكومة بصفتها تمتلك أدوات التنفيذ وقوة القانون، وأن المجتمع ما هو إلا تكتّل ينفّذ الأوامر والسياسات والخطط والبرامج، وهذا المنطق ينطلق من فكرة قديمة تنظر إلى الشعب كقطيع يؤتمر وليس كمجموعة مكونة من أفراد لهم كيانات وشخصيات مستقلة. وهنا لا بد من التفريق بين تحقيق الاستقرار للقطيع وتحقيقه للمجتمع المتنوّر المشارك في تنفيذ الاستراتيجيات. فلو تحقق الاستقرار المجتمعي في مجتمع القطيع فإنه لن يكتسب الاستدامة، ولن تكون الحكومة ذاتها مطمئنة لذلك، لأنها فرضت الاستقرار والأمن فرضاً، وربما بوسائل عنيفة.

وهنا يأتي تعريفنا للمجتمع المستقر، هل هو المجتمع الذي لا يشهد مشاكل واضطرابات ويطبق القانون بصمت، أم أنه المجتمع الذي تسوده مبادئ السلام والطمأنينة ويتحول تطبيق القانون إلى أسلوب حياة، ويصبح جزءاً من النظام القيمي والأخلاقي، بحيث تتم ترجمته في السلوك اليومي للمواطن. فإذا وصل المجتمع إلى هذه المرحلة من الثقافة القانونية المتبوعة بثقافة أخلاقية يتحقّق الاستقرار المستدام، ولن يهتز مهما تعرضت البلاد إلى تغييرات في الأشخاص أو الحكومات، لأن النظام العام وأخلاقيات التعامل أصبحت متغلغلة في نسيج الشعب.

هنالك أمور حياتية مادية لا بد من توفّرها للوصول إلى المجتمع المستقر، أهمها توفير الحاجات الإنسانية للمجتمع، والبعض يطلق عليها حاجات مادية لكنها ليست كذلك، فتوفير المنزل حاجة إنسانية أخلاقية لأن الإنسان، حتى يعيش بكرامة، لا بد له من العيش في منزل آمن، بمعنى إما أن يمتلكه أو تكون لديه القدرة على دفع إيجاره بشكل مؤقت وصولاً إلى التملّك، ثم تأتي الخدمات الإنسانية، وتختلف عن الخيرية بالتأكيد، والخدمات الإنسانية تشمل التطبيب والعلاج والرعاية الصحية وتوفير البيئة النظيفة، وبعدها تأتي الخدمات التعليمية المتطورة، ثم البنية التحتية، وهذه الأخيرة حق إنساني كي يعيش الإنسان في مجتمع مستقر يتمتع بالسهولة في التحرك والانتهاء من المعاملات والإجراءات بعيداً عن الروتين والتعقيد والبيروقراطية.

ويأتي أيضاً توفير فرص العمل، وهذه ليست من اختصاص الحكومة وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمجتمع، الحكومة توفّر النظام التعليمي والمواطن يُقبل على التعليم ويجتهد في تأهيل نفسه وتدريبها وتحصيل الخبرات وغيرها، التي تمهّد له الحصول على وظيفة تضمن له العيش الكريم. ولا بد من إضافة المشاركة في صناعة القرار حتى يتحقق شرط الانتماء، وهذه المشاركة لها وجوه مختلفة منها المباشرة ومنها غير المباشرة، فكلما كان المواطن واعياً يكون مشاركاً في القرار حتى وإن لم يكن في سدة المسؤولية.

وبذلك لا نبالغ لو قلنا إن المسؤولية الأكبر في صناعة المجتمع المستقر تقع على المجتمع أكثر من الحكومة، لأن عمل الأخيرة إجرائي وداعم. أما عمل المجتمع فهو تحويل مبادئ الحياة الجماعية إلى أسلوب حياة، تستند إلى الاحترام وقبول الاختلاف، فإذا تحقق الشرط الأخير، تحقق الانسجام وساد الاستقرار.

ولو درسنا المجتمعات غير المستقرة لوجدناها رافضة للاختلاف، فتتحول إلى مجتمعات طائفية وحزبية تتناحر فيما بينها، وتعلي من شأن الطائفة والحزب على حساب الدولة.

[email protected]

https://tinyurl.com/23btwk88

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"