هل تستطيع أن تختار أحد حديثين، هما حديث واحد، إمّا الموسيقى بعين الديمقراطية، وإمّا الديمقراطية بعين الموسيقى؟ أمّا لماذا هذا الموضوع وهذه الطريقة في عرضه، فلكي يعرف القارئ سبب إصرار القلم على ضرورة حظوة الموسيقى الجادة العارفة بالمكانة التي هي أهل لها، في العالم العربي. المشكلة غير معقدة، يكفي أن ندرك أن غياب الموسيقى الجادة العالمة، هو علّة الحكم المطلق لدى قلّة من الناس بأن هذا الفن مجلبة للانحلال والاستهتار والتهتك وانتهاك حرمة الأخلاق الحميدة والقيم الرفيعة.
يقيناً، من المحال إيجاد حل وسط بين شخص في ذهنه أن نموذج الموسيقى هو السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وكورالها «نشيد الفرح» الذي صار النشيد الرسمي للاتحاد الأوروبي، بينما شخص آخر لديه اقتناع راسخ بأن كل موسيقى صورة لأغنية «بعد العشاء يحلى الهزار والفرفشة» للسلطانة منيرة المهدية. في مثل هذا الموقف يقال: «كلامي في السماك، وكلامك في السماد».
كأننا ابتعدنا قليلاً، لكن الاستطراد ضروري ونغلق القوس: كيف أدركت الصين أهمية الموسيقى الجادة العارفة، في التنمية الشاملة، كمحرك إيجابي للذوق العام ودوره في إذكاء أداء الدماغ، فنشرت الفن الجاد أكاديمياً انطلاقاً من خمسين مليون طفل يدرسون البيانو؟ الآن، ما هي العلاقة بين الموسيقى والديمقراطية؟ لا بد من لقطة نظرية خاطفة: الموسيقى الجادة العارفة العالمة، من مميزاتها أمران متقاربان متشابهان إلى حد إمكان الخلط بينهما، الهارموني وتعريبها «الانسجام»، البعض يسميها التناغم، وهي أن تعزف درجات صوتية (نوتات) متوافقة، معاً في آن. الآخر هو الكونترابنط، وقد عرّبوه إلى «الطباق»، ويرى القلم أنها ترجمة غير موفقة، لأنها تصرف الذهن إلى الطباق في البلاغة، كقول امرئ القيس «مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً». الكونترابنط هو الآخر هارموني، ولكنه توافق جمل موسيقية تعزف متطابقة متوازية، وقد تكون لها إيقاعات مختلفة. جمل «لحنية» تؤدّى معاً، لا مجرد نوتات تعزف في آن. كلمة كونترابنط تستخدم أكاديمياً.
المغزى المقصود هو تعدد الأصوات والأفكار والآراء وطرائق التعبير، التي تحظى بحريّة إبداء ما تريد البوح به. تسمع أصواتاً وجملاً مختلفة، وتستوعب ما يختلج في مكنوناتها وكينوناتها. تنمية هذه القدرة الاستيعابية والإدراكية لتعبيرات متباينة في وقت واحد، من الأفضل أن تبدأ في سنّ مبكّرة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التمثيلية: تنمية الديمقراطية بالموسيقى في الصغر، تهذّب أداء الدماغ مثلما يهذّب الدوزان الوتر، طوال العمر.
[email protected]
الديمقراطيّة من خلال الموسيقى
19 سبتمبر 2022 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 سبتمبر 00:27 2022
شارك