إذا أقبلت أدبرت

00:32 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. مصطفى الفقي

يحفل التاريخ العربي الإسلامي بشواهد قاطعة على أن الدنيا لا تدوم، وليس هو وحده ذلك التاريخ الذي يبرز هذه الحقيقة، فتاريخ الأمم وتطور الشعوب، بل وحياة الأفراد تؤكد، في مجملها، أنه لا يوجد فرح دائم، ولا ازدهار مستمر. فالإمبراطوريات الكبرى سادت ثم بادت، وقديماً قالوا «ما طار طير وارتفع.. إلا كما طار وقع»، ولا نزال نذكر من التاريخ العباسي على عهد هارون الرشيد نكبة البرامكة، كنموذج للسقوط من الارتفاعات الشاهقة. فقد كان البرامكة هم الذين يحكمون تحت مظلة الخليفة العباسي، ولكن نفوذهم امتد، وسطوتهم زادت، وكانت كلمتهم هي العليا في البلاد وبين العباد، وعصف بهم الرشيد، وأنهى سطوتهم إلى الأبد، وذلك نموذج كرره والي مصر الكبير محمد علي باشا مع المماليك في «مذبحة القلعة»، واستطاع بتلك الحركة المفاجئة أن يتخلص من خصومه ومنافسيه في يوم واحد، وانفرد بالسلطة ليحكم مصر، هو وأبناؤه وأحفاده، لما يقرب من قرن ونصف قرن.

هكذا يعلمنا التاريخ أن الزهو الزائد يعقبه انحسار كامل، لذلك دعانا القرآن الكريم إلى أن نقتصد في الفرح والحزن معاً، فكلاهما حدث عابر لا يستمر أبداً، والدنيا تتغير، والزمان قُلب، ولا تبقى الدنيا على حال. وقد قال معاوية بن أبي سفيان «ما من دار ملئت حبرة إلا وملئت عبرة»، كما أنه هو ذلك الحصيف صاحب العبارة الشهيرة «لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إذا شدوها أرخيت وإذا أرخوها شددت».

لذلك فإنني شخصياً تعودت منذ طفولتي على أن الحياة يوم لك ويوم عليك. وكنت أتذكر دائماً في لحظات الانتصار اللحظات الأخرى لكبوة الانكسار، وما أكثر النماذج التي عرفناها في حياتنا وحياة غيرنا لذلك التألق الذي يعقبه خفوت، والتوهج الذي يأتي بعده شحوب، وليت الناس جميعاً يدركون هذه الحقيقة، وما زلت أتذكّر أن والدي، رحمه الله وقد كان إنساناً طيباً هادئاً متسامحاً كان يقول لي: «يا بني إن زهزهت الدنيا لك فتخوف منها ولا تثق ثقة كاملة بها، فدورات الزمان وتقلبات الأوان تجعلنا دائماً نترقب ما لا نتوقع»، ولذلك يقول المصريون في أمثلتهم الشعبية إذا ضحكوا كثيراً (اللهم اجعله خيراً)، فالمصري بعبقرية الزمان والمكان عرف الصعود والهبوط، والارتفاع والانخفاض، وأدرك المعاني الرائعة لفلسفة الحياة وسنن الوجود ونواميس التطور، وهنا يعنّ لي أن أطرح ملاحظات ثلاثاً:

 أولاً: لا يعني ما قلته في السطور السابقة أننا يجب أن نركن إلى الاكتئاب والتشاؤم فالمأثورة التاريخية تقول «تفاءلوا بالخير تجدوه»، كما أن القدرة على توظيف المواقف الإيجابية واللحظات الفارقة لخدمة المستقبل تتحول هي الأخرى بالطبيعة إلى مصدر للسعادة في لحظات الرضا والألم، معاً، فالمرء لا ييأس من رحمة الله، ولا يقنط من عبوس القدر، فكل شيء جائز وكل حقيقة لها أكثر من وجه ولا ييأس من رحمة الله إلا من ضعف إيمانه، وهبطت روحه، ولعل معظم الملحدين من مفتقدي الإيمان هم الذين يدركهم القلق والخوف ويستبد بهم، بل ويضعهم أحياناً على حافة الانتحار، فالإيمان منحة لا ينالها إلا من كان نقي السريرة طاهر الوجدان، فالمؤمنون – وإن اختلفت دياناتهم – يشتركون في ذلك القدر من اليقين الداخلي والسلام النفسي الذي يجعلهم قادرين على مواجهة المصاعب والمتاعب بنفس راضية وإرادة قوية وعزيمة صادقة.

 ثانياً: لا يفرط المرء في الحزن أو الفرح قدر ما يستطيع، فهي أمور يحكمها شعور ذاتي لأن الذي نعيش فيه مؤقت بالضرورة، كما أن مع العسر يسرا، وبعد الضيق فرجاً، ولست أدعو بذلك إلى نوع من التواكل أو أروّج لغيبيات، وهمية لكنني اعتصم بالمنطق العلمي في مناهج التفكير وطرائق البحث وأساليب اتخاذ القرار.

 ثالثاً: اعتراني وهم في سنوات الطفولة جعلني أظن أن أيام الأسبوع ليست متشابهة، فاليوم السعيد يعقبه يوم تشوبه التعاسة في النفس، ويستقر الضيق في الوجدان، وعندما كان يحدد لي موعد لامتحان أو اختبار كنت أتحسب له من خلال ترتيب ذلك اليوم في دائرة الصعود والهبوط في أعماقي، من دون أن يشعر أحد، وإذا جاء يومان سعيدان متتاليان توقعت التراجع بنفس القدر الذي كان به أمر السعادة، وأنا مؤمن في النهاية بأن الإنسان ابن الموقف ونتاج البيئة وصنيعة المناخ، ثقافياً أو دينياً أو علمياً، ومع ذلك يستقر في وجداني دائماً أن الدنيا ليست على حال واحد، وأن الحياة فرح وحزن، سعادة وبؤس.

https://tinyurl.com/4tr2e97e

عن الكاتب

دبلوماسي وباحث وأديب ومفكر ومؤرخ وكاتب، يمتلك خبرة واسعة في المجالات السياسية والثقافية ألَّف 36 كتابًا تسلط الضوء على بعض القضايا مثل الإصلاح السياسي والفكري القضاء على كل أشكال التمييز ضد الأقليات، والوحدة العربية والتضامن

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"