التصعيد و«التعبئة»

00:38 صباحا
قراءة دقيقتين
افتتاحية الخليج

لم يكن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أمس، بإعلان التعبئة العسكرية الجزئية مفاجئاً؛ في سياق تطورات الحرب في أوكرانيا، وحجم الحشد، والدعم العسكري والمالي الغربي لكييف، إضافة إلى تصعيد الأهداف الغربية بتسعير الحرب، ما جر الكرملين إلى قرارات جديدة تعيد النظر في استراتيجية الصراع المحتدم منذ أواخر فبراير/ شباط الماضي.

يبدو الموقف الروسي باحثاً عن التكيّف مع المستجدات الجديدة التي تفرضها طبيعة الصراع، فيما لا يبدو من الجانب الآخر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، سعي للجم الصراع، وإنما مزيد من العمل لإلحاق هزيمة بالجيش الروسي، وبالتالي خلخلة الأوضاع الداخلية، ربما لإعاقة خطوات موسكو في إقامة نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، تأمل منه روسيا والصين وغيرهما من الدول تحقيق العدالة الدولية والمساواة.

تزامن القرار الروسي الذي يشمل استدعاء 300 ألف جندي من قوات الاحتياط، مع تصاعد حدة الصراع في إقليم دونباس، والحديث عن تحقيق تقدم للقوات الأوكرانية في بعض المناطق، مستفيدة من دعم عسكري هائل من جانب الدول الغربية، إضافة إلى إعلان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، ولأول مرة، عن حجم الخسائر الروسية منذ اندلاع الحرب والتي بلغت نحو 6 آلاف قتيل، وهو رقم كبير بالنسبة للقوات الروسية. في هذا السياق تأتي وقفة إعادة النظر في طريقة وأسلوب إدارة المعركة، خصوصاً مع استمرار تدفق الأسلحة النوعية والخبراء إلى أوكرانيا، والتحريض على عدم الدخول في مفاوضات جدية تضع حداً لهذه الحرب المدمّرة.

ردود الفعل الغربية على القرار الروسي تشير إلى أمرين: الأول، الخوف من مفاعيل القرار على سير المعارك مستقبلاً؛ لأن الجيش الروسي سيتمكن من استعادة زمام المبادرة في حالة التعبئة، وزجّ مزيد من القوات في ساحة المعركة بما قد يقلب المعادلة الحالية، ولذلك اعتبرت بعض الدول الغربية أن هذا القرار يمثل «تصعيداً خطراً ومقلقاً، ويجب أخذ تهديدات بوتين على محمل الجد».

والثاني أن بعض الدول الغربية الأخرى ترى فيه دليلاً على «مؤشر ضعف»، ما يستدعي ضخ مزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا، لتمكينها من الصمود واستكمال تحقيق مزيد من الإنجازات العسكرية.

واضح تماماً أن الحرب في أوكرانيا تدخل الآن مرحلة جديدة وخطرة. فالتعبئة العسكرية الروسية، وإصرار البعض على تأجيج الحرب بمزيد من السلاح والمال، قد يشكلان فصلاً أولياً من حرب يتسع مداها وتتشابك أدواتها، والأسلحة المستخدمة فيها، خصوصاً أن روسيا لن تسمح بأن تهزم، والدول الغربية مصممة على المضيّ فيها لتحقيق أهدافها.

الصراع الذي تطور من مواقف متناقضة وتهديدات ورسائل سياسية، إلى عملية عسكرية، وحرب اقتصادية مفتوحة، يأخذ اليوم شكلاً آخر، في عالم تتجاذب طرفيه مصالح دول كبرى.. عالم يعيش أصلاً تحديات غير مسبوقة على كل الصعد.

.. فمن يا ترى، يوقف كرة الثلج قبل أن تتدحرج وتكبر وتغدو عصية على اللجم؟

https://tinyurl.com/327vuw2s

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"