عادي

القتل.. اعتداء على البشرية

22:55 مساء
قراءة 4 دقائق

القاهرة: بسيوني الحلواني

القتل جريمة متأصلة في السلوك الإنساني، وموجودة في كل العصور، وكل المجتمعات. وكل يوم نسمع ونقرأ ونشاهد العشرات وربما المئات من جرائم القتل التي يرتكبها أشخاص فقدوا القدرة على الاتزان النفسى، وانساقوا وراء شياطينهم، وأزهقوا أرواحاً بريئة لأسباب مختلفة ودوافع متنوعة، فكيف ينظر الإسلام لجرائم القتل التي انتشرت الآن في بعض المجتمعات العربية لأسباب مختلفة؟ وكيف يواجه الإسلام تلك الجرائم المنكرة التي تهدر أهم حقوق الإنسان وهو حقه في الحياة؟ وما موقف الشرع في الذين يزهقون أرواح بعض نسائهم تحت ستار الدفاع عن الشرف؟ وهل يمكن أن نلتمس عذراً لقاتل أهدر حق فتاة في الحياة لمجرد رفضها الزواج منه؟ وما المواجهة الشرعية الصحيحة لمثل هذه الجرائم التي اقتحمت حياتنا وتهدد أمن المجتمع وسلامته؟

يوضح د.شوقي علام، مفتي مصر، حجم جريمة القتل في نظر الإسلام فيقول: حرم الله قتل النفس البشرية بغير حق، وجعله من أعظم الجرائم وأكبر الكبائر، يقول الحق عز وجل: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا). ويقول: نصوص القرآن والسنة النبوية الصحيحة تؤكد أن النفس الإنسانية في الإسلام معصومة، وحفظها من الضروريات الخمس الواجب رعايتها وصيانتها، قال الله تعالى: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا».

الصورة
1

ومن أبرز مقاصد شريعتنا الغراء توفير الأمن لكل الناس، وتجريم كل عدوان على أرواحهم، أو إلحاق أي أذى نفسي بهم، ويقول: في ظل تعاليم وأحكام الشريعة الإسلامية يعيش كل أفراد المجتمع الإنساني في طمأنينة بعد أن يأمنوا على أرواحهم، ويضمنوا عدم المساس بحقوقهم المادية أو المعنوية، فمن بين مقاصد هذه الشريعة المحافظة على حياة الإنسان، وتوفير الأمان النفسي له، وحماية كرامته من خلال تجريم كل عدوان عليه بدني أو نفسي، فالله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خلقنا تفضيلاً».. وتأكيداً لهذا التكريم؛ جعل الله الإنسان خليفة له في الأرض، وحمّله مسؤولية عمارتها، ولن يستطيع الإنسان أن يؤدي واجبه، ويتحمل مسؤولياته، ويقوم بحق الخلافة لله في الأرض إلا إذا كان آمناً على حياته، متمتعاً بكل حقوقه، وفي مقدمتها الاستقرار النفسي.ويؤكد مفتي مصر أن شريعة الإسلام لم توفر الحماية المادية والمعنوية ولم تضمن حفظ أرواح وحقوق أتباعها من المسلمين فقط، فهي تضمن الحماية لكل البشر بلا استثناء بصرف النظر عن أجناسهم وألوانهم ومعتقداتهم؛ لذلك جعلت العدوان على نفس واحدة كأنه عدوان على البشرية كلها، وينهى الإسلام عن إلحاق الأذى بأي إنسان فيقول الحق سبحانه: «وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ».

عن العقوبة الشرعية للقتل يقول د. فتحي عثمان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: هناك فارق كبير بين (القتل العمد) و(القتل الخطأ)، فالأول هو أن يقوم إنسان بالغ عاقل عامداً بقتل آخر لا يستحق القتل.. وهذا القتل العمد في نظر شريعتنا الإسلامية جناية من أقبح الجنايات، وجريمة من أشنع الجرائم، ومن يرتكبها يستحق أشد العقوبات في الدنيا والآخرة كما أخبرنا القرآن الكريم. ومن أبرز عقوبات الدنيا القصاص؛ حيث يقول الحق سبحانه: «ياأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيكُمُ ٱلقِصَاصُ فِي ٱلقَتلَى ٱلحُرُّ بِٱلحُرِّ وَٱلعَبدُ بِٱلعَبدِ وَٱلأُنثَى بِٱلأُنثَى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخِيهِ شَيء فَٱتِّبَاعُ بِٱلمَعرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيهِ بِإِحسَان ذَلِكَ تَخفِيف مِّن رَّبِّكُم وَرَحمَة فَمَنِ ٱعتَدَى بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم».

ويوضح أن عقوبة القصاص لا تستهدف عقاب المعتدين الآثمين فحسب، وإطفاء النار المشتعلة في نفوس أهل القتيل؛ بل تقصد أولاً تطهير المجتمع من البغاة والمفسدين في الأرض.

ويقول: جاءت الشريعة الإسلامية بكل ما يحقق العدل بين الناس، ويوفر لهم الحماية من جميع أشكال الإجرام والانحراف السلوكي التي عرفتها المجتمعات الانسانية؛ لذلك عاش في حمايتها المسلم وغيره، ووفرت الأمن والطمأنينة للجميع، وشهدت المجتمعات التي التزمت بأحكامها وآدابها وأخلاقياتها أماناً ما بعده أمان.

ويوضح أن الشريعة الإسلامية لا تقف عند توقيع عقوبة على مجرم كما هي حال التشريعات القانونية؛ بل هي قبل ذلك تتخذ العديد من الإجراءات الوقائية لتحمي المجتمع من الجرائم والانحرافات المتعددة التي تهدد أمنه واستقراره، كما أنها تلتمس كل الأدلة والبراهين التي قد تحمي الإنسان من ظلم وقع عليه بعد تقرير العقوبة.

ويحذر د.فتحي عثمان الجميع من محاولة اختلاق مبررات لقاتل ليفلت من العدالة، فكل محاولة من هذا النوع، تمثل عدواناً على عدالة السماء التي اتخذت احتياطات وإجراءات، وشرعت الدية عند عفو أهل المقتول.

الرغبة المشتركة

عن نظرتها لجرائم قتل بعض الشباب لفتيات رفضن الزواج منهم، تقول د.آمنة نصير، أستاذة الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: الزواج في الإسلام يُبنى على الحب والرغبة المشتركة للطرفين، وإذا كانت تعاليم ديننا تحرم على الأب أن يجبر ابنته على الاقتران برجل لا تريده، فكيف يتخيل الشباب الضائع أن بإمكانهم أن يجبروا فتيات على الارتباط بهم دون رضا نفسي وقناعة تامة ورغبة حقيقية؟

وتضيف: هؤلاء الشباب الذين ارتكبوا جرائم من هذا النوع لديهم مشكلات نفسية ولم تحسن أسرهم تربيتهم على تعاليم الدين، فكل ما يفكرون فيه مخالف لتعاليمه، وسلوكهم مجرم في نظر الشرع والعرف والقانون.. وينبغي الإسراع في توقيع العقاب الرادع عليهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم.

وتؤكد أن البحث عن مبررات لهؤلاء الشباب يضر المجتمع.

«جرائم الشرف» سلوك جاهلي

عن موقف الشرع ممن يقتلون نساءهم تحت ستار الدفاع عن الشرف يقول مفتي مصر: لا شرف في القتل، هذا سلوك جاهلي لا يُقرّه الشرع، فالأحكام في الإسلام تُبنى على اليقين وغلبة الظن المبني على الأدلة الواضحة، ولا تبنى الأحكام على الشك والوهم. ولذلك كان ما يسمى «جرائم الشرف» من أبشع الجرائم التي تنتشر في المجتمعات، حيث يظن القاتل أنه من خلالها يُطهر نفسه من العار والمذمة، ولا يدري أنه يرتكب ما هو أخطر وأكبر، وهو سفك الدم الحرام، الذي يزيد فساده على فساد أي جريمة أخرى.

https://tinyurl.com/2xey8w8u

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"