عادي

محسن سليمان.. سرد يخاطب الإنسان

00:35 صباحا
قراءة 4 دقائق

علاء الدين محمود
في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

«القصة بالدرجة الأولى هي الأقدر على توصيل الحالة الشعورية التي أمر بها وتنقل مشاعري وأفكاري»، بتلك الكلمات يعلن الكاتب والقاص الإماراتي محسن سليمان انحيازه لعالم القصة، من دون بقية أنماط السرد الأخرى، حتى أنها تمتلك مميزات وأدوات وإمكانات مختلفة، ويشير ذلك الانحياز والإصرار إلى كتابة القصة من قبل محسن سليمان، إلى الاشتغال المتأني على مشروع سردي لا يحفل بالأضواء، أو كما يقول هو فإن كتابة القصة لا تعطي صاحبها الشهرة كما تفعل الرواية، وبالفعل، فقد قدم الكاتب اجتهادات إبداعية واشتغالات سردية تشير إلى إمكانات كبيرة أهّلته لتمثيل الإمارات في العديد من المناسبات الخارجية المتعلقة بالسرد، ونال الكثير من الجوائز والتكريمات، الأمر الذي يشير إلى أن الكاتب يسير بخطوات واثقة في طريق الإبداع، فإلى جانب القصة فإن لسليمان إنجازات في مجالي كتابة السيناريو والمسرح، وفي كل تلك الإبداعات يتوجه سليمان نحو الإنسان، ويقول عن ذلك: «الجانب الإنساني هو الهم الأكبر، وهي «التيمة» المستخدمة في جميع قصصي، وأنا أوظف الشخصية لتعبر عن مشاعرها وما تعانيه من هموم وأزمات».

منذ الطفولة ظهرت موهبة سليمان الإبداعية على مقاعد الدراسة الابتدائية عندما كان يمارس كتابة الخواطر التي تطورت عنده إلى شغف لكتابة القصة القصيرة، ولعل القراءة تدخل كعامل أساسي في تكوين الذائقة الأدبية عند سليمان، فقد قضى أوقاتاً من مراحل الطفولة والصبا ينهل من الكتب والمؤلفات الأدبية، حيث وجد فيها ملاذه وعالمه الخاص، وربما ذلك ما دفعه للقول: «الكتب هي سلسلة من المحطات، والذكريات الشجية والجميلة، المنقوشة على جدار الزمن، والكتب أسماء، وأماكن، وأحداث كدنا ننساها، أو يطويها النسيان»، ودائماً ما يعلي سليمان من شأن القراءة وأهميتها بالنسبة إلى كل من يريد أن يقتحم عالم الكتابة، فهو يعتقد بأن الكتاب يقترن بالعمق المعرفي، كما يعتبر مصدر التعليم الأول، الذي لا يهرم، وذلك ما يؤكده من خلال قوله: «لقد تعرفت من خلال الكتاب إلى دهاليز مدن وقرى، وشخصيات عجيبة لا حصر لها، وبهذا المعنى، فالمعرفة هي نتاج تجارب وخبرات وقراءات متعددة، تتطور مثل كل الأشياء من حولنا، وتتغير مع مرور الزمن، فبعد أن كانت الوسائل التقليدية تقتصر على الكتب، والصحافة الورقية، وارتياد المكتبات العامة، ومكتبات الجامعات والمعاهد، مع ما يرافق ذلك من مشقة للحصول على المعلومة، باتت وسائل المعرفة اليوم متوفرة بكثافة».

مشروع

هذا التبحر المعرفي في عوالم الكتب والمؤلفات، سهّل من دخول سليمان لعالم الكتابة والسرد، حيث بذل منذ بداياته الباكرة جهدا كبيراً لكي يصبح متميزا وصاحب بصمة خاصة، ويبدو ذلك واضحاً من خلال قوله: «منذ الصغر، وأنا أحاول وأجرّب في الكتابة، كانت البدايات من خلال نشر بعض الخواطر في الصحف، حتى تطوّرت إحدى هذه الخواطر إلى (قصة قصيرة) ومن هنا، بدأت باستيعاب جانب آخر من كتاباتي، فكتبت القصة القصيرة، ثم تلتها تجربة في كتابة المسرحية، والسيناريو»، وهذا يشير إلى أن مشروع الكتابة بالنسبة إلى سليمان، هو بمثابة مشوار طويل من التجريب، فهو يعتقد بأن التجارب الأولى لمعظم الكتاب من حول العالم، مرت بمنعطفات كثيرة، تراكمت خلالها المعارف والثقافات.

جيل جديد

ينتمي سليمان إلى جيل التسعينات في كتابة القصة القصيرة، وهو يعتبر الجيل الثالث الذي حمل الراية من الذين مارسوا كتابة هذا الفن الإبداعي في الإمارات، ويرى سليمان أن هذا الجيل الذي ينتمي إليه أكثر اطلاعاً وتطلعاً إلى الآفاق الأرحب من خلال السفر والتنقل والتمكن من التكنولوجيات الجديدة، ويشير سليمان إلى أن تلك المعارف التي اكتسبها جيله أسهمت في تشكيل خصوصية الرؤية الفنية المتميزة لديهم، وهو يشير إلى أن لكل جيل ظروفه وهواجسه الشخصية، فقد نشأ القاصون في السبعينات والثمانينات في ظروف جعلتهم يمارسون كتابة القصة بالفطرة، حيث كان التراكم المعرفي الداخلي قليلاً، وموارد العيش قليلة، كما أن الفضاء الثقافي وآفاقه كانت محدودة بالمقارنة مع الانفتاح الذي بدأ منذ التسعينات.

مؤلفات

يتميز سليمان بالكتابة التي تبحث عن المعنى، وبلغة باذخة وأسلوبية تميل نحو الشعر، فنصوصه القصصية هي قطع سردية تنهض برافعة الفكر والفلسفة، وإثارة الأسئلة، وتحتفي بالمفردة الشاعرية، وبناء شخوص من خلفيات نفسية مختلفة، الأمر الذي يتضح منذ أولى مجموعاته «خلف الستائر المعلّقة»، وصدرت في 2005، وهي المجموعة التي وجدت صدى كبيراً بين القراء والنقاد، وأحرز بها المركز الثالث مناصفة لجائزة الشارقة للإبداع العربي الإصدار الأول في الدورة ال 8، وتحتل تلك المجموعة مكانة خاصة عند الكاتب، الذي يعود إليها في كل حين، لأنها جاءت بعد مخاض عسير، وهي نتاج عمل امتد من نهاية التسعينات، وتخلل ذلك -كما يؤكد سليمان- إحباطات كثيرة إلى الدرجة التي ساورته الشكوك حينذاك في مدى جدوى الاستمرار في الكتابة، غير أن المجموعة استطاعت أن تحقق نجاحاً كبيراً فتح شهية سليمان لممارسة الكتابة، مرات ومرات، فجاءت مجموعته الثانية «كائن الظل» التي أكدت تطور مستوى الأدوات والتجريب والأسلوب عنده. ويقول سليمان متحدثاً عن «كائن الظل»: «ربما تكون أكثر نضجاً، وقد استخدمت في أكثر من قصة الجانب النفسي، إضافة إلى الالتزام التام بتقنيات القصة التي ظهرت بشكل عفوي».

مسرح

اتجه سليمان كذلك نحو الكتابة المسرحية، فقام بتأليف عدة نصوص: «لعبة البداية»، و«جونو»، و«ريا وسكينة»، وغيرها من النصوص، كما طرق مجال السيناريو والكتابة للسينما ما يشير إلى أصالة موهبة الكتابة لديه، كما قام بتأسيس دار نشر حملت اسم «العنوان»، للنشر والتوزيع.

إضاءة

محسن سليمان كاتب في مجالات القصة والمسرح والسينما، حاصل على شهاد البكالوريوس في الإعلام، وشغل العديد من الوظائف في المجال الثقافي، وهو عضو مجلس الإدارة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، نشرت له صحف ومجلات محلية وخليجية مجموعة من الخواطر والقصص القصيرة والمقالات الاجتماعية منذ عام 1998.

https://tinyurl.com/49wn3483

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"