إيطاليا في مواجهة التغيير

00:29 صباحا
قراءة 3 دقائق

محمد خليفة

إن عالماً هرماً من الأنظمة السياسية والاقتصادية أخذ يتهاوى وينهار، وأخذت ترتج معه خارطة العلاقات الاجتماعية، ووَقَف الإنسان الغربي، بعد أن فقد إيمانه بكل شيء، يتطلع إلى مذهبية بديلة تساعده على العثور على ذاته.

ففي ظل الحرب الروسية - الأوكرانية بدت تلك الإشكالية أكثر حدة، مع تهاوي الكثير من القيم والمعايير، فالحروب والصراعات لم تتوقف جوهرياً وإن اختلفت مظاهرها وسبلها، والنظام العالمي لم يتشكل فعلياً. مجافياً نظرية المفكر كانط الذي دعا إلى التعايش على أرضية الإنسانية المشتركة، وأن ثمة أخلاقاً كونية تتأسس على المبادئ الكلية للعقل البشري.

ثمة وقائع تشكل منعطفات اقتصادية في عالم اليوم مختلفة عن ذي قبل، تنجرف به إلى نظام أشد عمقاً وظلماً من كل ما عرفته الليبرالية في صيرورة الحقيقة وحركة الوجود. ولا جدال في أن كل وحدة أو اتحاد هي عملية تكامل لا عملية قهر؛ فالقوة قد تجمع، لكنها لا توحد. ولذلك حالما تتراخى قبضتها، يتناثر ما خلناه اتحاداً أو وحدة كالاتحاد السوفييتي سابقاً، والمؤشرات تشي بأن الاتحاد الأوروبي يمضي إلى نفس المصير، وهذا ما نراه اليوم في إيطاليا بعد أن تركت استقالة رئيس الحكومة الإيطالية، والرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي، إيطاليا أمام مستقبل غامض. فتلك الاستقالة لم تكن بسبب خلافات سياسية بين الأحزاب التي تشكل الحكومة؛ بل بسبب الوضع الاقتصادي المزري الذي بات ينذر بكارثة.

وكان دراجي، قد اقترح تقديم حزمة مساعدات اقتصادية للأسر والشركات بقيمة 23 مليار يورو، لكن زعيم حركة «خمسة نجوم» جوزيبي كونتي، رفض تلك الحزمة، ما دفع رئيس الوزراء إلى الاستقالة، وبالتالي انهيار حكومة «الوحدة» التكنوقراطية. وتعاني إيطاليا ديوناً هائلة تبلغ نحو 2,4 تريليون دولار، وقامت الحكومة الإيطالية، في السنوات الماضية، بإجراءات تقشفية بهدف توفير 124 مليار يورو. وتشمل الإجراءات التعهد بجمع 15 مليار يورو من مبيعات العقارات على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

لكن كل تلك الإجراءات وغيرها لم تسهم في تخفيض نسبة الدين الذي يزداد استفحالاً، لذا، فإن إيطاليا ستجري الانتخابات غداً الأحد، ولكن قد تكون مختلفة عن سابقاتها، لأنها قد تؤدي إلى ولادة حكومة يمينية متطرفة ستتبنى سياسات معادية للاتحاد الأوروبي وموالية لروسيا، ويبرز اليوم حزب «إخوان إيطاليا» ما بعد الفاشية، بقيادة السياسية الإيطالية جيورجيا ميلوني، ومن المرجح أن يتقدم هذا الحزب في الانتخابات القادمة، وبالتالي أن يكون لميلوني فرصة جيدة، لتصبح زعيمة إيطاليا التالية، وتظهر استطلاعات الرأي أن حزب ميلوني، سيحصل على نحو 23٪ من الأصوات. ومن المتوقع أن ينضم هذا الحزب إلى حزب رابطة الشمال «ليغا نورد» بقيادة ماتيو سالفيني، وحزب «فورتسا إيطاليا» بقيادة سيلفيو برلسكوني، لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة.

هذه الحكومة التي يغلب عليها طابع التطرف ستشكل رعباً حقيقياً للاتحاد الأوروبي، لأن إيطاليا هي ثالث دولة في الاتحاد الأوروبي من حيث المكانة الاقتصادية بعد ألمانيا وفرنسا، وبالتالي فهي ذات ثقل حقيقي في الاتحاد، لكن هذه الدولة تجد نفسها مأزومة، ولا أمل لها في الخلاص مما بها من ضعف اقتصادي، وديون هائلة ما لم تعمل على تغيير سياساتها الدولية، وصعود أحزاب اليمين الحالية هو مؤشر على رغبة الشعب الإيطالي في إحداث تغيير. لكن هل ستكون الحكومة العتيدة قادرة على تغيير سياسات إيطاليا الحالية الخاصة بالتزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي، أو تجاه شقيقاتها في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن هذه السياسات هي التي أوصلت إيطاليا إلى ما هي فيه من محنة؟ أم أنها ستلتزم بتلك السياسات، ومتابعة ما ترسمه الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية من خطط واستراتيجيات سياسية واقتصادية؟

في الواقع، إن من سيحدد اتجاهات الحكومة هو الملف الاقتصادي، وطالما أن الخبير الاقتصادي ماريو دراجي، قد عجز عن إيجاد الحلول للمشكلة الاقتصادية في إيطاليا، واضطر إلى الاستقالة من رئاسة الحكومة، فإن السياسيين الجدد قد ينهجون سياسات متطرفة قد تقود إيطاليا نحو مسار جديد ربما يكون بعيداً عن الاتحاد الأوروبي وربما عن الولايات المتحدة.

[email protected]

 

 

https://tinyurl.com/2p9e8adh

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"