عادي

عذب الكلام

23:43 مساء
قراءة 3 دقائق
5

إعداد: فوّاز الشعّار

لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسرَ فيها، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.

في رحاب أمّ اللغات

حسن الاتّباع: أن يأتي المتكلّم إلى معنى ابتكر غيره، فيحسن اتّباعه فيه؛ وأحسن البحتري في اتّباع الفرزدق في قوله:

يُغْضي حِياءً ويُغْضى مِنْ مَهابَتِهِ

فما يُكَلَّمُ إلّا حينَ يَبْتَسِمُ

فقال البُحتري:

إن أطرقَ استَوْحَشَتْ للخوف أفئدة

ويَمْلأُ الأرضَ مِنْ أنْسٍ إذا ابْتَسما

وقال بشّار:

كَأَنَّ مُثارَ النَقعِ فَوقَ رُؤُسِنا

وأَسيافَنا لَيلٌ تَهاوى كَواكِبُه

واتّبعه ابن المعتز، فقال:

إذا شِئْتُ أوقَرْتُ البلادَ حَوافراً

وسارتْ ورائي هاشِمٌ ونزارُ

وعمَّ السَّماءَ النقعُ حتّى كأنّه

دخانٌ وأطرافُ الرّماحِ شرارُ

دُرر النّظم والنّثر

قالتْ مَلَلْتُكَ

عمر أبو ريشة

(من البسيط)

قالتْ مَلَلْتُكَ؛ إذهبْ لَسْتُ نادمةً

على فِراقِكَ إنَّ الحُبَّ ليْسَ لنَا

سَقَيْتُكَ الْمُرَّ مِنْ كأسي شَفَيْتُ بِها

حِقْدي عليكَ ومالي عَنْ شَقاكَ غِنى

حَسِبْتُ دُنْيا نَعيمي فِيكَ ماثِلةً

فَخابَ ظنّي فَألْفَيْتُ النَّعيمَ ضَنا

لَنْ أَشْتهي بَعْدَ هذا اليومِ أُمنيةً

لَقَدْ حَمَلْتُ إليها النَّعْشَ والكَفَنا

قَالَتْ وقَالَتْ.. وَلَمْ أَهْمِسْ بِمَسْمَعِها

مَا ثارَ مِنْ غُصَصي الحَرّى وما سَكَنا

تَرَكْتُ حُجْرَتَها والدِّفْءَ مُنْسَرباً

والعِطْرَ مُنْسَكِباً والعُمْرَ مُرْتَهنا

ولَمْ أَكَدْ أَجتلي دَرْبي على حَدَسٍ

وأَسْتَلينُ عَلَيْهِ الْمَرْكَبَ الخَشِنا

حَتَى سَمِعْتُ ورائي رَجْعَ زَفْرَتِها

حَتَّى لَمَسْتُ حِيالي قَدَّها اللَّدِنا

نَسيتُ مابي وهَزَّتْني فُجاءَتُها

وَفَجَّرَتْ مِنْ حَناني كُلّ ماكَمَنا

وَصِحْتُ: يا فِتْنَتي ما تَفْعَلينَ هنا؟

الْبَرْدُ يُؤذيكِ عُودي؛ لَنْ أَعودَ أنا

من أسرار العربية

أفعالٌ من حرف واحد فقط: إ: عِدْ، من وَأَى يئي وَأْياً: وَعَدَ. والتثنية «إيا»، قال الشاعر:

إنّ هِنْدُ المليحةُ الحَسْناءُ

وأْيَ من أضمرتْ لخلٍّ وفاءً

(إنّ: فعلُ أمر مبنيّ على حذف النّون، وياء المخاطبة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل رفع فاعل، والنّون الثقيلة للتوكيد. وهندُ: منادى مبني على الضم. والمليحة: صفة مرفوعة)

حِ: أشر، مِنَ الوَحْي وَحَى يَحي وَحْياً وأَوْحَى. خِ: توجّه، من وَخى يَخي وَخْياً. رَ: انظر، من رأى يرى. شِ: انقش، مِنْ وَشَى يشي وشياً. والوَشيُ نَقْشُ الثوب. عِ: أدركْ واحفظْ، من وَعى يَعي. فِ: حقق، من وَفى يَفي من الوَفاء. قِ: صُنْ، من وقى يقي، من الوقاية، والصَّوْن. مِ: أشر، من ومى يُومي، مِ يا زيد برأسك أي أشر.

هفوة وتصويب

ترد كثيراً عبارة «ونوّه إلى ضرورة كذا...»، بمعنى أشار، وهي خطأ، ففي لغتنا: ناه الشيءُ يَنُوهُ: ارتفع وعلا، فهو نائِهٌ. ونُهْتُ بالشيء نَوْهاً ونَوَّهْتُ به ونَوَّهْتُهُ تَنْوِيهاً: رفعته. ونَوَّهْتُ باسمه: رفعت ذكْرَهُ. وناهَ النباتُ: ارتفع؛ فالتنويهُ إذن هو الإشادةُ، وليسَ «الإشارة».

وتردُ في الصُّحُف عبارة «غطّى فلانٌ المؤتمرَ الثقافيّ» وهي خطأ، والصواب «تابع» لأنَّ التغطيةَ هي السَّتْرُ والإخفاءُ. وفي فصيح اللغة: غَطَى الشيءَ يَغْطِيه غَطْياً وغَطَّى عليه وأَغْطاه وغَطَّاه: سَتَره وعَلاه؛ قال حسان:

رُبَّ حِلْمٍ أضاعه عَدَمُ الما

لِ وجَهْلٍ غَطَّى عليه النعيمُ

من حكم العرب

ومَنْ يُنْفِقُ السَّاعاتِ في جَمْعِ مالهِ

مَخافَةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفَقْرُ

ولا يَنْفعُ الإمْكانُ لولا سخاؤه

وهلْ نافعٌ لولا الأكفُّ القَنا السُّمْرُ

البيتان لأبي الطيّب، يقول فيهما إنّ السّعيَ الحثيثَ وراء جمعِ الأموال، خشيةَ الوقوع في براثنِ الفَقْر، هو الذي يؤدّي إلى الفقر، لأنه يُذهْل فاعلهُ عن الأساسيات والمعالي، التي هي الغنى الحقيقي. 

https://tinyurl.com/23cpmpxk

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"