عادي

اختطاف طه حسين.. بين الأنصار والخصوم

مغالطات كثيرة طالت شخصيته الفكرية والإبداعية
00:16 صباحا
قراءة 4 دقائق

القاهرة: «الخليج»

في الفترة الماضية كان طه حسين موضوعاً للشد والجذب، بعد إصدار قرار من محافظة القاهرة بإزالة مقبرته، في إطار خطة موضوعة لتطوير القاهرة، وهو القرار الذي تراجع عنه المسؤولون، تحت وقع الضغوط، خصوصاً بعد أن أعلنت حفيدته والسفارة الفرنسية، استعدادهما لنقل رفات عميد الأدب العربي إلى فرنسا، في احتفال خاص، ويأتي هذا الجدل أيضاً بالتزامن مع قرب الاستعداد للاحتفال بمرور خمسين عاماً على رحيل العميد، في أكتوبر من العام المقبل.

يمثل طه حسين (1989- 1973) حالة فريدة في الفكر والإبداع العربيين، فهو عبقرية فكرية وأدبية معاصرة، لما أثارته كتاباته، من أفكار كان لها السبق في تناول قضايا إشكالية، لم يكن من السهل الاقتراب منها، وكما يرى ممدوح فراج النابي في كتابه «استرداد طه حسين» فإن عميد الأدب العربي كان يحلق بعيداً، متجاوزاً ما يتردد من أفكار وقراءات.

ثورة على الجمود

كان يعمل العقل في أمور حياته منذ أن كان طفلاً في الكتاب؛ ومن ثم يمكن القول إنه لم يثُر فقط على مناهج الدرس، التي كان ينتهجها الأساتذة في المدارس والأزهر ودار العلوم، بما طرحه من أفكار جريئة، بدءاً من دراسته عن أبي العلاء المعري، وما استنتجه من آراء أثارت معسكر القديم ضده، وإنما ثار ثورة عارمة على الجمود، كما أوضح في سيرته «الأيام».

بدأ طه حسين في نشر «الأيام» في مجلة الهلال، لمدة سنة، وطبع في كتاب عام 1929، وهو الكتاب الذي يقول عنه لويس عوض: «كل كلام عن طه حسين يجب أن يبدأ بكتابه الأشهر الأيام»، و«الأيام» كما يرى ممدوح فراج النابي، بعيداً عن كونها سيرة ذاتية، فإنها تكشف عن ملامح هذا التمرد وأسبابه، فطه حسين لم يكن ما يؤرقه اجترار مأساة العمى الذي أصابه منذ طفولته، وإنما ما كان يعنيه في المقام الأول هو عاهة عمى المجتمع، التي كانت آفة أكبر من آفة العمى نفسه.

يتبنى هذا الكتاب وجهة نظر، ربما يرى البعض فيها مبالغة، تتمثّل في أن فكر طه حسين وشخصيته كانا مستباحين على الدوام، ومن ثم سعى هذا الكتاب إلى استرداد الرجل، الذي تكالب الجميع على اختطافه؛ فالمناصرون لم يفعلوا سوى ترديد الكلام الذي قيل في كل مناسبة عنيت بطه حسين، دون أن يسعوا إلى قراءة متمهلة لتراثه، والنظر إليه بنظرة عقلانية، كما كان يدعو في كتاباته، بعيداً عن القراءات التي لم تضف له شيئاً، أو تستكشف ما توارى بين السطور، من آراء وأفكار.

بالمثل كان أعداؤه باختزالهم فكره وحصره في دائرة ضيقة، بل وأشهروا سهامهم ونبالهم، دون أن يعطوا لأنفسهم فرصة للتفكير والابتعاد عن الفكر الأحادي الذي خندقوا فيه الرجل، حتى مَن عاد إلى صوابه منهم، وارتأى في الرجل ما يستحق أن يتناوله بالدرس، أساء له بقدر ما أحسن إليه.

هناك مغالطات كثيرة طالت شخصية العميد من جانب، وأعماله من جانب آخر، وقد وصل بعضها إلى اتهامه بالانتحال، على نحو ما حدث مع كتابه «الأيام» الذي راج أنه مقتبس من رواية «منصور» لأحمد ضيف، وبالمثل هناك تلميح إلى أن كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» مأخوذ من أوراق كتبها نجيب الهلالي عندما كان وكيلاً لوزير المعارف، فعثر عليها طه حسين عندما عمل مستشاراً للوزارة، علاوة على الاتهام الأخطر، المتمثل في سرقة أفكار مارجليوث، ونشرها في كتابه «في الشعر الجاهلي» (1926).

يؤكد ممدوح فراج النابي أن كتابه هذا أشبه باسترداد لطه حسين من براثن الأيادي الآثمة التي عبثت بتراثه وأفكاره، دفاعاً عن القيمة لا عن الشخص، وبناء على هذا يأتي الكتاب في القسم الأول منه بعنوان «دفاعاً عن العميد» ويحتوي على موضوعات: أصول الشك عند طه حسين، وفيها أنه كان سباقاً عن غيره في الشك في الشعر الجاهلي، منذ مقالته عن الخنساء.

أما الموضوع الثاني، فيتناول ما لحق «مذكرات طه حسين» من تشويه وتحريف، بعدما أعادت إحدى المجلات نشرها احتفاء بذكرى رحيله، ويتعرض فيها لعلاقة المذكرات بالجزأين الأول والثاني من الأيام، وهل يمكن اعتبارها متممة للجزأين، أم هي منفصلة يمكن قراءتها كجزء مستقل، إضافة إلى عرض وسائل التشويه أو التحريف التي لحقت بالمذكرات.

العميد والريادة

القسم الثاني من الكتاب يأتي بعنوان «العميد والريادة» والموضوع الأول منه بعنوان «فتح آفاق المنهج العلمي» ويدرس فيه كيف فتح طه حسين بدراسته عن أبي العلاء المعري، آفاقاً جديدة في البحث العلمي؛ إذ طبق من خلالها أول منهج علمي رصين على شخصية أبي العلاء.

والثاني جاء بعنوان «طه حسين في مواجهة تودوروف» وفيه يضع «النابي» الناقدين في مقارنة لا تُفرِّق بينهما، على قدر ما بينهما من تباين ظاهر، فطه حسين ناقد اجتماعي، وتودوروف ناقد بنيوي، المقارنة غرضها تلاقي الأضداد في الأهداف، وقد لخصتها صيحة تودوروف المتأخرة بأن «الأدب في خطر» وهي الصيحة التي تلتقي مع صيحة طه حسين التي أطلقها في الربع الأول من القرن العشرين، وهو يبحث عن مشاكل الدرس الأدبي في المدارس والجامعات.

يقول ممدوح فراج النابي: لا خلاف على أننا في أشد الحاجة إلى إعادة قراءة مشروع طه حسين بشقيه؛ الأدبي والفكري، قراءة جديدة تتسق مع روح العصر، فمؤلفاته مرتبطة أكثر بحاضرنا، كما أن الدلائل تشير إلى أننا نعيش ذات الأزمات، فما أحوجنا إلى استعادة مؤلفاته والتحاور معها.

https://tinyurl.com/mp54u4ue

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"