عادي

حارب الظاهري.. العالم بنبض مختلف

00:29 صباحا
قراءة 4 دقائق

في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

حارب الظاهري صاحب منجز أدبي يفرض حضوره في الساحة الثقافية، رحلته مع الكلمة بدأت منذ الطفولة، ونمت بمنتهى الهدوء والسلاسة، أسلوبه يحاكي لب القارئ، فالكتابة الإبداعية بالنسبة له، استرسال لمعنى الحياة، وإعادة رسم لوحة بكتابة أدبية تحادث الآخر بروح الإنسانية، والإبداع عنده شغف يتنامى ويتجدد، ويربك الوقت أحياناً، من أجل أن يستنزف ما في الوجد من إرهاصات ورؤى.

نتاج الظاهري الأدبي له خصوصيته، حيث الرؤية الأبعد، من الفكر والخيالات، فكتابته تجسد العالم بنبض مختلف، وتستحضر من أعماقه الكثير، حيث يسترسل في قراءة الحياة وتاريخها وحاضرها، فمن يغوص في عالمه الأدبي يجد أن الكتابة تمكنت منه حتى أصبحت انتماء فلسفياً فكرياً، ومكوناً يعيش بداخله، كما أنها مجتمعه الصغير وطقوسه اليومية الدالة على الزمن الذي يعيشه، والذي يبصر ما حوله، رغم أنها أي الكتابة هي الهم المثقل بالانتماء، ومحاكاة الزمان والمكان والإنسان.

خيوط

يكتب الظاهري القصة القصيرة والنصوص الشعرية والمقالة، والرواية، وقد سبق له أن قال «حين شكلت ثقافياً، لم أفكر بالانتماء لجنس أدبي، وجدت نفسي في فضاءات الكتابة، تشغلني كتاباتي، فهي جذوة الوقت، ومدارات البدايات، هي جزء من كرسي الدراسة، وفسيفساء الخواطر، ونصوص شعرية لافتة»، هي إذن قصاصات باقية، تلازم ترحاله من وقت إلى آخر، تعبر ضمن تجاربه القصصية والروائية والمقال المنتمي إلى الفكر والبعد الثقافي، الذي يتسع لكل الكتابات التي تورط فيها، لذا من الصعب استخلاص تجربة على حساب أخرى خاصة أمام سنوات النضج، فالعمل الروائي لابد أن ينسج خيوطه، حول هذه التجارب والثوابت التي مضت ما بين المكان والزمان، ما بين جوهر الإنسان، والتساؤلات الوجودية، لذا كان العمل الروائي بالنسبة له هو المنتهى نحو المحور الحقيقي بين مفاصل الأجناس الأدبية.

قيم فكرية

أما أبرز القيم الفكرية التي يحتفي بها الظاهري في نتاجه الأدبي، فهي القيم الإنسانية البسيطة والمهمشة والأماكن المؤثرة في حياتنا، كالإنسان المتعب وحالته المنهكة والمعدومة، وحالات الشقاء، والذاكرة التي لم تستطع أن تنفض الغبار عن زمنها، هذه هي الشخوص التي تستوقفه، في سياق حياته، وهي البعد الإنساني والمعاناة التي اجتازت كتاباته والتي ترسبت فيها وفي ذاته، لذلك نجد جميع كتاباته تحتفي بالإنسان المعدم في حواره مع الوجود ومع الحرية والطبيعة، هذا الاختلاج الذي يضيء قلمه، ولو بجزء بسيط من ضوء الشمعة التي تنير ولو جزءاً ضئيلاً من الحياة.

مسقط الرأس

كان لمدينة العين مسقط رأس حارب الظاهري أثرها الكبير في كتاباته الإبداعية، رغم أنه عاش بين مدينتين، مدينة العين حيث الطفولة والتأملات الأولى، وهي جزء من التشظي، الكتابة والحزن، الرحيل المبكر عن حالات المدينة، والانفصال القصري عن المكون الأول، والتي أصبحت بالنسبة له الاشتياق الأول لألفة الناس وحكاياتهم وانبهارهم بالأفلاج والنخيل وظلالها وتباشيرها الصيفية، فمدينة العين هي مدينة النقاء والصفاء، والحسن والشقاء، وهي حوار الصحراء مع التشكل الوجودي، وحوار الطبيعة وسحرها في خيالات إبداعه وإرهاصاتها التي تمثلها روايته «عين الحسناء» والتي تدور أحداثها بين تدرجات الزمن في بدايات السبعينات، حيث كانت مدينة العين هي المحور الرئيسي في الرواية.

وعن هذه الرواية يقول حارب الظاهري: «استحضرت من خلال ذاكرة «العين» ذاكرة المدن التي لا تُضيع ملامح البشر، التي لا بد أن تحمل هذه الملامح عبر الزمن، والمدينة تتحدث عن نفسها بلهجة أهلها وبرموزها الشعبية العربية البسيطة».

وقد سبق أن أكد الظاهري على ما في «العين» من ميزات هي تعبير عن جماليات الروح التي حفزته على الكتابة وإعادة صياغة الأحداث.

مدينة البحر

وفي أبوظبي حيث يطفئ البحر أحزان المبدعين بأمواجه المالحة المضمدة للجراح، أكمل الظاهري مسيرته فيها كمدينة هادئة، يرسم البحر معالمها، ويطفو بين التربة ويشكل مسارات صغيرة، بين البيوت ويردم بالتراب، لتعلو المدينة ولتتشكل بكاسر الأمواج÷، كبر الظاهري شاهداً على فصول احتدامها مع التشكل، وما زال لم يكتب عنها كما يود، ولكنه كتب عنها مقالات، عن حارة البطين وبارهوس والروضة، فهي نسيجه الآخر.

ومن أهم الكتاب الذين ساهموا في بلورة وجدان الظاهري الشعراء العرب في العصور الأولى، فهو يميل إلى المدرسة الرومانسية، وكتاب المهجر، فقد كانت البداية بالمرحلة الإعدادية بالتحديد، بمعرض للكتاب بمدرسة أم عمار آنذاك، التي كانت تقع خلف منزله بحارة الروضة في أبوظبي، حيث وقع نظره على كتاب يضم سيرة كتاب المهجر وأهم أعمالهم، فكانت هذه انطلاقة أخرى جسدت الكثير من المعالم، ثم بدأ بعدها يقرأ تشيخوف، وكافكا، وبعض الكتب الفلسفية والتاريخية عن حياة العظماء عبر التاريخ.

الصعود إلى السماء

وبما أن السفر عالم ملهم، ولكل مدينة إرثها التاريخي، وطابعها وحضارتها وثقافة سكانها، عمد الظاهري منذ الصغر إلى السفر، وبدأه مبكراً، بمدينة اسكابرا ببريطانيا، وهو بعمر لا يتجاوز ال 16، ومنذ ذلك الوقت، وهو على موعد مع السفر، الذي فيه يقظة روحية للكتابة، وجمالية فكرية للوجود، وكأنه يبحث عن مفقود كوني ما، وبدأ بالغرب لأنه يعتبره رسخ مجموعة من القيم، ومازال لديه هاجس السفر، لدول لم يزرها مثل روسيا والصين واليابان، كما أن روايته «الصعود إلى السماء»، ولدت خلال السفر، وجسدت ثقافة السفر كثيراً، وعكست بأحداثها وشخوصها، اختلاف الثقافات، ومعالم الحضارات ما بين الشرق والغرب، فقد وصف الحياة بقلم الذاكرة الذي يحيل السفر إلى متعة ثقافية، وقد نال عليها جائزة أفضل عمل إبداعي في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 2015.

إن أعمال الظاهري (مندلين، ليل الدمى، قبلة على خد القمر، شمس شفتيك، نبض الروح، الصعود إلى السماء، عين الحسناء) جميعها أعمال نقشها حرفاً حرفاً، بنبضه، وصمته، وهدوئه وفكره، واستطاع أن يشغل مساحة راقية من خارطة الأدب الإماراتي العربي.

https://tinyurl.com/wb3w2vns

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"