عادي

أنقرة ودمشق.. نحو كسر الجليد

23:58 مساء
قراءة 4 دقائق
2

كرم سعيد *

تتجه الدبلوماسية التركية بخطوات متسارعة، لكسر حدة التوتر مع سوريا، وظهر ذلك في إبداء الرئيس التركي على هامش قمة «شنغهاي للتعاون» في 15 سبتمبر/ أيلول الحالي، استعداده للقاء نظيره السوري. ولم يكن هذا التصريح هو الأول من نوعه للرئيس أردوغان، فقد أعلن الشهر الماضي «أنه ليس من المستبعد الحوار مع سوريا، وأنه يرغب في صنع السلام والتواصل الدبلوماسي» مع الحكومة السورية.

بالتوازي مع ذلك كُشف النقاب عن زيارة رئيس المخابرات التركية هاكان فيدان، خلال الأيام الماضية، إلى دمشق، ولقائه نظيره السوري. وقد أظهرت تلك المؤشرات عن موقف تركي جديد، يتجاوز حالة التوتر والعداء مع دمشق. كما أكد وزير الخارجية جاويش أوغلو في تصريحات له في أغسطس/ آب الماضي، استعداد بلاده لدعم الحكومة السورية إذا قررت محاربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تصنفها أنقرة إرهابية، فضلاً عن الإشارة إلى لقائه بنظيره السوري في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 على هامش قمة عدم الانحياز في مدينة بلغراد.

رغبة روسية

التطور في العلاقات بين البلدين يأتي في إطار رغبة موسكو في إعادة رسم خريطة المشهد السوري، خاصة في ظل انشغالها بالأزمة الأوكرانية، ورغبتها في ضمان وتأمين مصالحها الاستراتيجية في سوريا عبر تعزيز التهدئة مع خصوم الحكومة السورية، وبخاصة تركيا؛ لذلك سعت موسكو إلى لعب دور الوسيط بين دمشق وأنقرة؛ بهدف تطبيع العلاقات، وظهر ذلك في مطالبة الرئيس الروسي نظيره التركي خلال قمة مشتركة بينهما في أغسطس/ آب الماضي في مدينة سوتشي، بضرورة كسر مساحات التوتر مع دمشق.

على الجهة الأخرى، أبدت سوريا ترحيباً لافتاً بعودة العلاقات مع أنقرة، وكشف عن ذلك تصريحات وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في فبراير/شباط الماضي خلال زيارته لموسكو؛ حيث كشف عن استعداد بلاده لتطبيع العلاقات مع الحكومة التركية، وأضاف أن سوريا وتركيا ترتبطان بعلاقات جوار، وتاريخ طويل. كما أكد المقداد خلال زيارته موسكو يوم 23 أغسطس/آب الماضي، على أن ثمة اتصالات تُجرى، ودوراً روسياً واضحاً للتوفيق بين أنقرة ودمشق.

تحريك المياه الراكدة

ثمة العديد من الاعتبارات والدوافع التي أسهمت في تحريك المياه الراكدة بين أنقرة ودمشق، وتدفعهما نحو تجاوز القضايا الخلافية، والملفات الشائكة، أو على الأقل تأجيل بعضها. ففيما يخص تركيا، فهناك أهداف محددة من وراء التقارب مع دمشق، أولها أن أنقرة تريد أن تتولى القوات السورية النظامية مواجهة القوات الكردية السورية، ووأد النزعة الانفصالية على تخوم تركيا، خاصة في ظل حدود نجاحات تركيا في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التي لا تزال تحظى بدعم أمريكي. وثانيها، رهان تركيا على أن تحسين العلاقة مع دمشق قد يوفر لها بيئة خصبة للتخلص من أزمة اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها، والتي تمثل عبئاً على أعصاب النظام التركي، وتزيده انغماساً في همه الداخلي، خاصة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقرر له منتصف العام المقبل. وتحمل قضية اللاجئين أولوية مركزية للنظام التركي في المرحلة الحالية، خاصة مع مساعي المعارضة التركية لاستثمار الارتدادات السلبية التي أفرزتها سياسة الباب المفتوح التي انتهجها حزب العدالة والتنمية تجاه اللاجئين السوريين في الانتخابات المقبلة.

وثالثها: أن تركيا تعي أن التقارب مع دمشق في التوقيت الحالي، يسمح لها بتجذير تحولاتها الخارجية التي بدأت لتوها تجاه دول الإقليم العربية، وبخاصة مصر والإمارات والبحرين والسعودية، والتي تسعى إلى عودة دمشق مجدداً للحاضنة العربية. وراء ما سبق، فإن تركيا باتت تعي مخاطر الانخراط العسكري مجدداً في الشمال السوري، خاصة أن موسكو وطهران حذرتا الرئيس التركي خلال قمة طهران في يوليو/ تموز الماضي، من خطورة أي عملية عسكرية جديدة.

ويرتبط الاعتبار الرابع، برغبة أنقرة في استرضاء موسكو التي يمثل تطبيع العلاقة بين أنقرة ودمشق أولوية استراتيجية لها في التوقيت الحالي. ويعي أردوغان أن توطيد العلاقة مع روسيا، يمنحها المزيد من المكاسب، ويعزز استفادتها من الحرب الأوكرانية والظروف التي تواجه موسكو، وظهر ذلك في موافقة موسكو في 16 سبتمبر/ أيلول الجاري على دفع تركيا ثمن ربع إمداداتها من الغاز الروسي بالروبل.

مكاسب سورية

على الضفة الأخرى من النهر، فإن سوريا قد تحقق عدداً من المكاسب من وراء التقارب مع أنقرة، منها تحييد الضغوط الغربية التي تتعرض لها دمشق، بسبب تصاعد القضايا الخلافية مع واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي. وكذلك استثمار العلاقات مع تركيا لدفع العلاقات الاقتصادية والتجارية؛ حيث يمكن أن تمثل تركيا رئة جديدة لسوريا، تمكنها من تجاوز تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي يعانيها المواطن السوري. كما أن إعادة تنسيق المواقف السياسية مع أنقرة قد يسمح لدمشق بفتح باب لحل قضاياه الداخلية مع المعارضة المدعومة من تركيا، خصوصاً في شمال غرب البلاد.

في الختام، يمكن القول: إن التصريحات الإيجابية المتبادلة بين أنقرة ودمشق قد تسهم في كسرالجليد بين البلدين، وتفتح الباب أمام مناقشة القضايا الخلافية والقضايا العالقة بين البلدين أو على الأقل قد تدفع تركيا للتراجع نسبياً عن دعم خصوم الحكومة السورية سياسياً وعسكرياً. لكن ثمة تحديات قد تقف حجر عثرة بين البلدين، منها استمرار رغبة أنقرة إدماج المعارضة السورية في العملية السياسية، وإعادة تعديل اتفاقية أضنة بما يسمح لها بالتدخل في الأراضي السورية لملاحقة حزب العمال الكردستاني، بينما تصر دمشق على انسحاب تركيا من الأراضي السورية كشرط للتعاون معها، وهو ما كشفته تصريحات المقداد وزير الخارجية السوري في 24 سبتمبر/ أيلول الجاري، عندما تحدث عن أنه لا تطبيع مع أنقرة في الوقت الحالي، بسبب سياستها المناهضة للمصالح السورية ناهيك عن مطالب سوريا التي تتعلق بضرورة رفع أنقرة يدها عن الجماعات الإرهابية، وبخاصة «هيئة تحرير الشام» التي تستولي على إدلب، وكذلك إلزام تركيا بضرورة فتح طريق حلب - اللاذقية - دمشق الدولي والذي يُسمى M4.

* كاتب مصري

https://tinyurl.com/vc6as4rs

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"