زيارة تاريخية بأبعاد استراتيجية

01:28 صباحا
قراءة 3 دقائق

الحسين الزاوي

جاءت زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، إلى سلطنة عُمان، لترسيخ وتوطيد العلاقات الأخوية المتميزة بين البلدين، كما جاءت في اللحظة نفسها، في مرحلة تاريخية حاسمة، لتعطي ديناميكية أكثر قوة لمسيرة التعاون المشترك بين البلدين والشعبين الشقيقين في سياق رؤية استراتيجية بعيدة المدى يدعمها مجلس التعاون الخليجي، تهدف إلى الدفاع عن الاستقرار والأمن المشترك وإلى تطوير التنمية الاقتصادية والبشرية لدول المنطقة وجعل الخليج العربي يلعب دوراً جيوسياسياً محورياً في سياق التحولات المفصلية غير المسبوقة التي يشهدها العالم.

وحرص اللقاء، الذي جمع بين صاحب السمو رئيس الدولة، مع أخيه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، على إبراز عمق العلاقات التي تربط بين البلدين نظراً إلى إصرار القيادتين الإماراتية والعمانية على تطوير علاقاتهما وتعاونهما في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية والثقافية، خاصة أن رئيس الدولة، سبق له أن وصف الروابط التي تجمع الشعبين بأنها «أخوة متجذرة وعلاقات ممتدة لا تزيدها الأيام إلا رسوخاً وقوة ومحبة»؛ الأمر الذي يعزز ويثمّن فرص التكامل والتشارك بين الجانبين بشكل موضوعي وبنّاء بما يخدم الأمن والتوازن الإقليمي والعربي المشترك، من منطلق أن الشعبين الإماراتي والعماني تربطهما علاقات مجتمعية وثقافية راسخة ضاربة بجذورها في التاريخ.

وعرفت العلاقات بين البلدين زخماً وتطوراً لافتين منذ تأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، سنة 1971، برعاية المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والسلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، حيث جرى التوقيع على اتفاقيات سمحت بتعزيز التعاون بين البلدين. وتُجمع وسائل الإعلام في الإمارات وعمان في هذا السياق، على أن زيارة الشيخ زايد إلى السلطنة سنة 1991 من القرن الماضي، شكلت محطة تحوّل بارز في مسيرة التنسيق والتعاون بين الإمارات وعمان، وهي الزيارة التي كان من ثمارها المباشرة اتخاذ قرار في غاية الأهمية بالنسبة لمواطني البلدين، قضى بالسماح بحرية التنقل بين جانبي الحدود باستخدام بطاقة الهوية الشخصية دون اشتراط حيازة جواز السفر، وقد أسهم الاستقرار السياسي والمؤسساتي والحكمة السياسية لقائدي البلدين في تجسيد العديد من المشاريع ذات المنفعة المتبادلة.

ويمكن القول إن زيارة الدولة التي قام بها صاحب السمو رئيس الدولة، إلى مسقط بدعوة كريمة من أخيه السلطان هيثم بن طارق، مثلت تتويجاً لمسار حافل من النجاحات في الشراكة بين الإمارات وعُمان باتت تمثل نموذجاً للتعاون في المنطقة وقاطرة لتطوير العلاقات الثنائية على المستوى الإقليمي لمواجهة التهديدات الخارجية، وكانت بمثابة بناء قائم على الاستمرارية والحرص على تثمين كل ما جرى تحقيقه من إنجازات خلال عقود من الزمن، وهي إنجازات أسهمت في رفع المبادلات التجارية والاقتصادية والثقافية والاستثمارية إلى مستويات قياسية، تعكس عمق العلاقات ومستوى متانة ورسوخ الروابط بين المواطنين والعائلات في البلدين الجارين.

ويرجع المراقبون لشؤون دول الخليج في سياق متصل، أهمية زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وطابعها التاريخي المتميّز إلى الرهان الكبير الذي أضحت تشكله العلاقات بين الإمارات وعمان في ترتيب وتطوير ودفع مسيرة العمل الخليجي، كما يؤكدون أن أبرز سمة وخاصية استثنائية لهذه الزيارة، تتمثل في كونها أول زيارة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، إلى العاصمة العمانية منذ توليه مقاليد الحكم في 14 مايو/أيار الماضي، بخاصة أن سموه يملك حنكة سياسية مشهود لها إقليمياً ودولياً، سيكون لها الأثر الحاسم في تحقيق مزيد من الطفرات الإيجابية في العلاقات بين الجانبين.

ومن ثم، فإن هذه الزيارة التي تحمل طابعاً تاريخياً واستراتيجياً بكل ما تحمله هاتين الكلمتين من معنى، هي من دون شك استئناف، على أعلى مستوى، للحظة التأسيس، لكونها زيارة حرصت على أن تكون العلاقات الثنائية قائمة على قواعد أكثر رسوخاً وأكثر استيعاباً لتحولات المرحلة التي تتطلب مزيداً من الانخراط في الدفاع عن المصالح المشتركة لشعوب الخليج من أجل كسب رهان الاستقرار الذي يعد الشرط الأساسي لنجاح واستمرارية مسيرة التنمية والتقدم في كل دول المنطقة.

[email protected]

https://tinyurl.com/mudwvwxr

عن الكاتب

أستاذ الفلسفة في جامعة وهران الجزائرية، باحث ومترجم ومهتم بالشأن السياسي، له العديد من الأبحاث المنشورة في المجلات والدوريات الفكرية، ويمتلك مؤلفات شخصية فضلا عن مساهمته في تأليف العديد من الكتب الجماعية الصادرة في الجزائر ومصر ولبنان

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"