سلطان والخط العربي

01:06 صباحا
قراءة دقيقتين

محمد عبدالله البريكي
للخط العربي مبادئ جمالية أساسية أثارت عبر التاريخ مسائل فكرية وفنية خصبة، فهو من أشد الفنون العربية حيوية وأطولها عمراً، وظلت الأجيال تتوارث قواعده جيلاً بعد جيل دون أن يفقد جمالياته ومؤثراته في احتواء العقل العربي، فصبغته الفلسفية وضعته في دائرة التفكير والتأمل لأن مسيرته دائماً تتخطى العادي والمألوف، فهو انعكاس حقيقي لأزمنة التدوين، فنراه في مرآتها الصافية صاحب فعالية وخاصة أنه أبرز قدرات فذة للخطاطين في كتابة المصحف الشريف، والكتابات عبر العصور، فأضحت المخطوطات إبداعاً فنياً آخر يجسد لحظات تاريخية بأنامل حقيقية، تضعه في مرتبته العالية بشكل مرئي يستحق العناية بسبب الثراء الاستثنائي في شكل الحروف، وطريقة تشكلها.

واليوم تفيض نماذج من إبداعات الخط العربي في الشارقة بروح عصرية بفضل توجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي أولى اهتماماً خاصاً به، فذائقة سموه الجمالية وثقافته الواسعة في هذا المجال عكست هذه التصورات الواقعية لهذا الفن الجميل وأهميته في حياتنا العربية، وبسبب هذه الرؤية العميقة كانت النتائج مذهلة في استحضار أواصر حروف الخط، وتطويعها في لوحات ومخطوطات وأشكال فنية تستوعب العصر وتجاربه، فهو السلاح الذي يواجه استغناء قطاع كبير من البشر عن الكتابة بخط اليد، والاستعاضة عن ذلك بلوحة المفاتيح، كما يحدث في العالم الرقمي، وهو ما يعطي الاهتمام بفكرة أساسية تتمثل في استثمار تاريخ الخط العربي بتنمية روافده الجمالية من خلال إحياء هذا المشروع الكبير، وتوجيه النخب لمحاكاته، وتحفيز الأجيال بطريقة مثالية لتمثل فنونه وقواعده، خصوصاً أن التراث العربي مدوّن بهذا الخط الذي رغم تقادمه لم يمسه تعديل أو تغيير، فهو يتجدد من تلقاء نفسه في إطار قواعده الرصينة، التي جعلته نموذجاً أعلى في التصوير الفني.

وعندما ننظر بعين الاعتبار إلى الجهود التي تبذلها دائرة الثقافة بالشارقة سنجد أنها تترجم عن وعي رؤى صاحب السمو حاكم الشارقة في إحياء تقاليد الخط، واستكشاف القدرات الحقيقية للإنسان العربي، وهو ما نراه يتجلى في إطلاق «ملتقى الشارقة للخط» الذي يحمل شعار «ارتقاء» في دورته الجديدة 2022، ومن ثم ما قامت به الدائرة من تكريم بعض رموز الخط العربي تقديراً لإسهاماتهم في هذا المجال سواء كان في الشارقة أو من خلال الفعاليات الثقافية مثل معرض لندن للكتاب.

إننا حين نحْيي الخط العربي في نفوس الأبناء فهو عودة لتقليد درج عليه الآباء في حياتهم الطبيعية، فالخط الجميل كان سمة مائزة عندهم على اختلاف مستوياتهم الفكرية، ونماذجهم البسيطة في التعليم، فقد اعتنوا به كمظهر أصيل في الحياة الخليجية والعربية، وكتبوا به رسائلهم، ودونوا أشعارهم وملاحمهم في الحياة، ما أوجد في المتاحف والأبنية التراثية نماذج لمخطوطات كتبت بخط الأجداد عبرت عن انتمائهم الفطري للخط العربي، وأرى أن الدور الشارقي في إنماء هذا الخط بأشكاله الزخرفية والجمالية في الداخل والخارج من خلال الملتقيات ومعارض الكتب ومن خلال الجهود كافة يعبر بشكل صادق عن رؤية سمو حاكم الشارقة، الذي توقظ مبادرته في النفوس الروح الملحمية لتاريخ الخط العربي وأصوله.

[email protected]

https://tinyurl.com/366br2c3

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"