أيام صادمة في بريطانيا

22:33 مساء
قراءة 3 دقائق

محمد العريان *
عانت المملكة المتحدة عشرة أيام من القلق والاضطراب المفرط، حيث يتعرض اقتصادها ونظامها المالي ورفاه مواطنيها للخطر بشكل مفاجئ. ولكن من خلال العمل السريع والمنسق، لا يزال بوسع صانعي السياسات إنقاذ الوضع.

ويوم الجمعة الماضي، ثبتت وكالة «وكالة ستاندرد آند بورز» التصنيف الائتماني للمملكة المتحدة عند «AA» مع نظرة مستقبلية «سلبية»، ما يهدد البلاد فعلياً، بخفض التصنيف بسبب مخاوف من أن تزيد الحزمة الحكومية الجديدة المقترحة للتخفيضات الضريبية عبء ديون بريطانيا. وقد يصبح خفض التصنيف أكثر احتمالاً إذا أصبح النمو الاقتصادي أضعف بسبب مزيد من التدهور في البيئة الاقتصادية، أو إذا زادت تكاليف الاقتراض الحكومية أكثر من المتوقع، مدفوعة بقوى السوق وتشديد السياسة النقدية.

وبينما لن يؤثر التصنيف الأخير من الوكالة فعلياً، في وصول المملكة المتحدة إلى الائتمان، إلا أنه يمثل إحراجاً آخر، وتقلبات خطيرة في كلفة الاقتراض، إلى جانب توبيخ متوقع من صندوق النقد الدولي للحكومة الجديدة برئاسة ليز تراس. كما أنه يقوض الركائز الثلاثة لرفاهية المملكة المتحدة: «مصداقية صنع السياسات»، و«الأداء الاقتصادي»، و«نزاهة الأسواق المالية».

ومع ذلك، كان قرار «ستاندرد آند بورز» بعيداً عن نتائج رزمة الإجراءات المقترحة من وزير المالية، كواسي كوارتنغ، في 23 سبتمبر/ أيلول الفائت، بخصوص «الميزانية المصغرة» وخفض الضرائب على الأثرياء. قبل أن تتراجع الحكومة البريطانية عن قرارها، لغرقها في عاصفة من الانتقادات التي زعزعت أسواق المال وأدت إلى انخفاض حاد في قيمة الجنيه الاسترليني، وبدا كأن كوارتنغ سيضغط بشدة على دواسة مسرع التحفيز، على الرغم من ضغط بنك إنجلترا على المكابح. وفي الواقع، قبل يومين فقط، قرر بنك إنجلترا زيادة سعر الفائدة من 1.75% إلى 2.25%، وهو أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، متوقعاً مزيداً من الزيادات في المستقبل.

وفي مزيد من التناقض السياسي، وبعد أن حذّر كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا من أن خطة الحكومة ستتطلب «استجابة نقدية كبيرة»، اضطر بنك إنجلترا في اليوم التالي إلى الإعلان عن برنامج من أسبوعين لشراء 65 مليار جنيه استرليني (73 مليار دولار)، من السندات طويلة الأجل، «بأي نطاق ضروري»، من أجل استعادة النظام والاستقرار المالي وتجنب انهيار قطاع المعاشات التقاعدية، وخوفاً من تداعيات معطلة لأجزاء أخرى من القطاع المالي والاقتصاد الحقيقي. وبالتالي، فإن التهديد بوقوع حادث في الأسواق المالية أدى إلى تعقيد مهمة بنك إنجلترا الصعبة بالفعل، والمتمثلة في تحقيق التوازن الصحيح بين مكافحة التضخم من جهة وتخفيف الأضرار التي ستصيب النشاط الاقتصادي، من جهة أخرى.

ومما قوّض مصداقية سياسة المملكة المتحدة بشكل أكبر، سعي الحكومة إلى تجاوز الإطار المؤسساتي الراسخ عند طرحها تدابير الميزانية المصغرة، وعدم التشاور بشكل مناسب مع مكتب مسؤولية الميزانية (OBR)، والوكالات الأخرى.

وبالنظر إلى كل ذلك، فالأخبار السيئة واضحة ومتمثلة تحديداً في تعرّض الرفاه الاقتصادي للمملكة المتحدة واستقرارها المالي للخطر. وإذا ما استمر صانعو السياسات في سلك هذا الطريق، فإن الشرائح الأكثر ضعفاً من السكان، والتي تتحمل بالفعل وطأة أزمة كلفة المعيشة وانعدام الأمن في الدخل، فضلاً عن تكاليف الاقتراض الأعلى، ستعاني أكثر من غيرها.

لكن الخبر السار هو أنه لا يزال بالإمكان معالجة الوضع. ولتحقيق هذه الغاية، يجب على الحكومة رفع مستوى إصدار توقعات مكتب مسؤولية الميزانية القادمة (المقرر إجراؤها في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني)، واغتنام ذلك كفرصة لتأجيل التخفيضات الضريبية غير الممولة، وتوفير محتوى تحليلي ودعم مؤسساتي أقوى لخطة النمو الخاصة بها.

* رئيس كلية «كوينز» بكامبريدج وكبير الاقتصاديين في «أليانز» (بروجيكت سينديكيت)

https://tinyurl.com/y2amnrp7

عن الكاتب

خبير اقتصادي وكبير المستشارين الاقتصاديين لشركة أليانز Allianz

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"